الجمعة، 31 يوليو، 2009

لماذا أنا لست ملحداً؟


لماذا أنا لست ملحداً؟
رافى زكريا
مؤسس خدمات رافى زكريا الدفاعية العالمية

الخميس، 30 يوليو، 2009

الحقيقة و الدليل


الحقيقة مُطلقة، و لكن الإنسان لا يعرف الحقيقة المُطلقة إلا بحواسه الخمس فقط. ما هو ملموس، ما يراه، ما يسمعه الإنسان، هو الحقيقة المُطلقة بالنسبة له. فماذا عما لا يمكن للإنسان لمسه بالحواس؟ قد يكون حقيقة أيضاً، و لكن لأن الإنسان لا يستطيع لمسه بالحواس، يكون هناك شك فى كونها حقيقة مُطلقة أم لا. مثال: هل الله موجود؟ هناك احتمالين: أن الله موجود، أو الله موجود. الاحتمال الحقيقى منهما هو احتمال حقيقى مُطلق. لكن هل الإنسان يعرف أيهما هو الاحتمال الحقيقى؟ هذه هى المشكلة، لذلك لا يُوجد إنسان يمتلك الحقيقية المطلقة، ولا يوجد إنسان يستطيع أن يحددها. لكن ليس معنى عدم معرفة الإنسان للحقيقة المُطلقة، أنها ليست مطلقة. لأن معرفة الإنسان خاصة بالإنسان ولا تؤثر على حال الحقيقة. فما هو الوضع؟ كى نجيب على هذا التساؤل دعنى أعطيك هذا المثال النموذجى: حينما يحكم القاضى فى المحكمة على إنسان بالإعدام لأنه قتل إنسان آخر، فهذا القاضى لم يرى هذا الإنسان و هو يقتل. و بالتالى، غابت صفة الإطلاق للحقيقة عن معرفة القاضى. لكن هذا لا يعنى أن الصفة غابت عن الحقيقة نفسها، لأن الحقيقة مُطلقة فى ذاتها. لا يمكن أن تكون الحقيقة نسبية، لأن هذا قد يعنى أن ذلك الإنسان قد يكون قاتل و غير قاتل فى نفس الوقت. فما هى الآلية التى يستخدمها القاضى ليحدد موقف الإنسان من الجريمة المُتركبة؟ كيف سيحدد إذا كان الإنسان الذى أمامه قاتل أم لا؟ يتم هذا عن طريق الدليل.

أمام القاضى مجموعة من الأدلة و البيانات، و عليه أن يحدد ما إذا كانت الأدلة تشير إلى أن الإنسان الذى أمامه قاتل أم لا. تحديد ما إذا كان الإنسان قاتل أو لا، من خلال الدليل المتوفر، يُسمى تفسير الدليل. لكى يُحدد القاضى ما إذا كان الإنسان الذى أمامه قاتل أم لا، فعليه أن يقوم بتفسير الأدلة الموجودة أمامه بأفضل شكل ممكن، ليخرج بأفضل تفسير للدليل. أفضل تفسير للدليل يجب أن يكون هو الذى يُفسِر كافة الأدلة المتوفرة. مثلاً، إذا كانت بصمات الإنسان على سلاح الجريمة، فهذا دليل يجب على التفسير الذى يطرحه القاضى أن يفسره. كل التفاسير التى تُقدم للدليل و تترك جزء منه، تُستبعد، لأن أفضل تفسير دائماً يكون واحداً و ليس متعدداً.

الآن لنطبق هذا المنهج على البحث الكتابى. فى كل موضوع تبحثه يجب عليك أن ترتب الأدلة المتوفرة أولاً، و تنظيمها فى تصنيفات. بعد ذلك تقييم هذه الأدلة، و وضع كافة الاحتمالات الممكنة. ثم يأتى دور التفسير هنا، حيث عليك أن تبحث عن التفسير الوحيد الذى يفسر هذه الأدلة بأفضل شكل ممكن.

تذكر دائماً أن الإيمان هو أن تثق فيما لا ترى، أى أن تثق و تؤمن فيما لا يُمكنك أن تتأكد منه. لكن حتى و إن كنت لا ترى، فمازلت تستطيع أن تلمح خطاً رفيعاً يبدو من بعيد. هذا هو ما نحتاجه، ليس ثقة مُطلقة فى الأدلة، و لكن نسبة عالية من الثقة. فى ردهم على سيمينار يسوع، قال مجموعة كبيرة من علماء العهد الجديد:"قد لا تكون متأكداً بنسبة مئة فى المئة أنه أمر حقيقى، و لكن أن تؤمن بأمر ما، فأنت تقول بذلك أنك مقتنع بأنه أمر حقيقى أكثر من أنه زائف. بكلمات أخرى، الاعتقاد لا يتطلب ثقة كاملة، لكنه يتطلب أن تكون متأكداً منه بنسبة تفوق الخمسين بالمئة، و إلا فسيكون حكمك فى موضع شك، و لن تكون مؤمناً حقاً بهذا الإيمان محل التساؤل"( Jesus Under Fire, P. 8).

الاثنين، 27 يوليو، 2009

لاهوت الكتاب المقدس


لاهوت الكتاب المقدس
(الوحى – العصمة)
فادى أليكساندر



لا يُوجد شىء إسمه لاهوت الكتاب المقدس. لا يُوجد فرع من فروع اللاهوت المسيحى يُسمى بذلك الإسم. و لم يعرف آباء الكنيسة شىء إسمه لاهوت الكتاب المقدس. حينما أقول "لاهوت الكتاب المقدس"، فأعنى بذلك الاعتقاد فى الكتاب المقدس. لم يكن هذا اللاهوت له وجود قبل عصر الإصلاح، حيث كانت إحدى المبادىء الرئيسية للفكر الإصلاحى هى "الكتاب المقدس فقط" Sola Scriptura. منذ ذلك العصر، أصبح للكتاب المقدس عقيدة و لاهوت حوله هو لذاته. للأسف، ما قصده لوثر بحصر السلطة الإيمانية فى الكتاب المقدس فقط، لم يكن هو المفهوم الذى استمر فى التقليد الإنجيلى لمدة خمس قرون. حتى كالفن مؤسس الفكر المشيخى، و هو الفكر الإنجيلى الرئيسى فى العالم و مصر، لم يُنادى بسلطة روحية للكتاب فى حد ذاته، بل أكد أن السلطة تكمن فى الروح و المجتمع الروحى. و منذ الربع الأخير من القرن العشرين، بدأ اللاهوتيين الإنجيليين فى العودة لفهم أصول هذا الفكر اللاهوتى بالتحديد من هذا الحصر.

حينما أقول أن الآباء لم يسلمونا لاهوت واضح للكتاب المقدس، فأعنى بذلك أنهم لم يسلمونا عقيدة واضحة فى الكتاب المقدس. لاهوت الكتاب المقدس الذى تطور عبر مائتى عام، هو ثلاثة فروع: الوحى، العصمة، و السلطة. الكتاب المقدس علمنا أنه وحى من الله، و الآباء علمونا أنه وحى من الله. لكن الآباء لم يقدموا لاهوتاً واضحاً لهذا الوحى، و لم يشرحوه، و لم يتعرضوا له إلا قليلاً. أما عقيدة العصمة عند الآباء فلم يكن لها معالم واضحة، ولا نراها بوضوح عند أحد منهم، بل ولا تظهر عند الكثيرين من الآباء. و حتى هؤلاء الآباء الذين تكلموا عن العصمة، لم يذكروها اصطلاحاً و انما بحسب مضمونها. و بشكل أو بآخر، لا نرى إجماعاً آبائياً على العصمة، ولا على محتواها، ولا مفهومها، ولا على دلالاتها ابداً. أول مناقشة صريحة تظهر عند الآباء حول العصمة بشكل مُفصل، نراها عند بيتر ابيلارد الذى عاش فى نهايات القرن الحادى عشر و بدايات القرن الثانى عشر، و قد مارسها بلاهوت سكولاستى بحت. لكن كان كل تركيز الآباء على سلطة الكتاب المقدس، من الناحية العقيدية و الروحية و الأخلاقية. هذا يعنى بوضوح: أن هناك من الآباء من اعتقد بان الكتاب المقدس لا يوجد به خطأ، و هناك من الآباء من اعتقد بأن الكتاب المقدس فيه خطأ، و لكن الإجماع العام للآباء هو انعدام وجود لاهوت الكتاب المقدس بشكل عام، أى عدم وجود اعتقاد معين فى الكتاب المقدس.

فى هذه الدراسة، سأتناول بشكل منهجى، تطور نظريات الوحى و العصمة، و لن أتعرض لمفهوم السلطة، لأنه مفهوم روحى لا علاقة له بهذه الدراسة النظرية. و لأن مجتمعنا الشرقى كان بعيداً تمام البعد عن هذا اللاهوت، لاهوت الكتاب المقدس، الذى تطور فى الغرب، فأغلب هذه الدراسة سيتمركز حول دراسات العلماء الإنجيليين فى الغرب. إن أى نقد أوجهه للفكر الإنجيلى لا يعنى ابداً أننى أنطلق من خلفية مسبقة معادية للفكر الإنجيلى. لقد نشأت فى بيت إنجيلى و عشت طفولتى فى الكنيسة الإنجيلية، و حتى اليوم مازلت مندمجاً مع الإنجيليين. أنا أقر منذ زمن بعيد، أن العلماء الإنجيليين هم الذين حموا الإيمان المسيحى فى الغرب. أمس تصدوا للحداثة، و اليوم يواجهون ما بعد الحداثة. فى الوقت نفسه الذى لا تعرف فيه الكنائس الأرثوذكسية و الكاثوليكية شيئاً بالمرة عن هذا الصراع، و تقاعسوا غير عالمين بالأمر. بكل محبة، كما انتقدت الفكر الأرثوذكسى سابقاً، أقدم نقداً أميناً لذلك اللاهوت الإنجيلى الذى حمى إيماننا المسيحى. لذلك أنا ألتمس عفوك عن ضعفى، فسامحنى على جرأتى.

التيارات اللاهوتية
نستطيع تقسيم التيارات اللاهوتية فى اللاهوت المسيحى بشكل عام، و حول الكتاب المقدس بشكل خاص اليوم إلى ثلاث أقسام: الأصولية Fundamentalism، المحافظة Conservatism، و الليبرالية Liberalism. فالأصولية هى التشدد و التعصب لفرضيات إيمانية سابقة على البحث العلمى، و تفرض نتائج الإيمان على البحث. أما الليبرالية فهى التشدد و التعصب لفرضيات إيمانية سابقة على البحث العلمى ايضاً، و لكن فى ناحية مُضادة للإيمان. العامل المشترك بين الأصولية و الليبرالية هو أن كلاهما يُوجه البحث. توجيه البحث هو البداية فى الدراسة العلمية من حيث يريد الباحث أن ينتهى. كمثال مُتعلق بموضوع هذه الدراسة: يبدأ الباحث الذى يُوجه بحثه من فرضية إيمانية معينة (الأصولية: نص الكتاب محفوظ لكل حرف فيه – الليبرالية: نص الكتاب مفقود لكل حرف فيه) و يبنى البحث الخاص به على هذه الفرضية، فيوجه مسار البحث ناحية هذه الفرضية. بذلك ينتهى الباحث من حيث أراد أن ينتهى حينما بدأ.

بين هذا و ذاك، تقع المحافظة. المحافظة هى تبنى الدليل العلمى بمنتهى الحيادية، و إتباع البرهان إلى حيثما يذهب بالباحث. ما يميز المحافظة عن الأصولية و الليبرالية، أمرين هامين: انعدام الفرضية، و تحدى النزعة. أما انعدام الفرضية، فهو أن الباحث يضع العلم فوق اللاهوت، فلا يضع فرضية لاهوتية ثم يُوجه البحث تجاهها. أما النزعة فهى ما يميل له الباحث تلقائياً (و ليس عمداً) و عفوياً و التى تتكون من خلال الوسط العلمى للباحث. و تحدى النزعة هو سمة المحافظة دون سواها، لأنه يعنى أن الباحث يختبر نتائج بحثه العلمى فى ضوء نزعات أخرى غير نزعته الشخصية. كمثال: عن طريق البحث العلمى توصل الباحث إلى أن التاريخ يؤكد موت المسيح على الصليب. لكى يتأكد الباحث أن نزعته لم تفرض رؤيتها على منهجية البحث و بالتالى نتائج البحث، عليه أن يختبر هذه المنهجية (و بالتالى النتائج)، فى ضوء نزعات أخرى، أى فى نتائج قطاعات كبيرة أخرى من الباحثين. إذا تثبتت النتائج فى ضوء النزعات المختلفة الأخرى، تأكد للباحث أنه استطاع تحدى نزعته الخاصة، و أن نتائج بحثه هى نتائج علمية لم يتم توجيهها بأى فرضية، و لم تؤثر عليها أى نزعة خاصة.

هذه التيارات اللاهوتية ظهر تطبيقها قبل اسمها، شأنهم شأن أى ظاهرة أخرى. غير أن المحافظة لم ترفض الليبرالية لمعاداتها للإيمان، و إلا فلما رفضت الأصولية التى تحامى عن الإيمان؟ إنما الرفض جاء من المنهجية المتبعة، و اتخاذ الفرضية السابقة على البحث، و تغزية النزعة بدلاً من تحديها. أسباب الرفض هذه ذاتها، هى نفس أسباب رفض الأصولية ايضاً.

أساس الإيمان
فى اللاهوت التاريخى بأكمله، لا نجد سوى أساس واحد فقط للإيمان. هذا الأساس هو الاختبار الروحى، و ليس سواه. إن كل طريق آخر للإيمان، هو طريق متعرج و غير صالح للوصول الآمن إلى ملكوت الله. لذلك لا يصح القول بأن الإيمان يُبنى على الكتاب المقدس، ولا على أى وسيلة أخرى. هذا يعنى أن الإيمان فى المسيح، و ليس فى النص. كل إيمان يُبنى على النص، و يُبنى على الفكر، هو إيمان نظرى لا يُفيد إنساناً. لكن المقابلة الروحية مع المسيح، الإله الذى كان ميتاً لكنه حى منذ الأزل و إلى الأبد، هى الإيمان ذاته. الاختبار الروحى ليس عاطفة، ولا هو مشاعر سيكولوجية تسيطر على الإنسان فى حالة هياج وجدانى. لكن هذا الإختبار حقيقة، و واقع، يستطيع الإنسان أن يلمسه بمجرد أن يتخذ القرار.

مناهج الإيمان إثنين: المنهج النظرى، و المنهج الواقعى. الأول هو الإيمان بسبب دوافع عقلية و منطقية و نظرية بحتة، و الثانى هو الإيمان بسبب دوافع حقيقية و واقعية و ملموسة. لا يُوجد مانع من البداية بالمنهج النظرى، و لكن إن لم يكمله المنهج الواقعى، فهو إيمان ميت لا حياة فيه. كمثال، المنهج النظرى هو الإيمان أن يسوع قام من الأموات لأن التاريخ يؤكد فعلاً أنه قام، بينما المنهج العملى هو الإيمان أن يسوع قام من الأموات لأن الفرد تقابل معه و لمسه حياً فى حياته، و ذلك فى إختباره الروحى. لكن ليس معنى أن الاكتفاء بالمنهج النظرى يُنتج إيماناً ميتاً، هو أن هذا المنهج لا نفع منه. منافع هذا المنهج كثيرة جداً، حتى أنها فى غالبية الحالات تتوج هذا المنهج النظرى بالبداية فى المنهج العملى. هناك شعور دفين فى أعماق الإنسان، يعرفه كل من فحص التاريخ و تأكد من بياناته، أن لحظة التأكد من النظريات، تنتج حالة من الرهبة و الخوف. الخوف من الواقع، لأن الواقع يتطلب مسئولية.

الاختبار الروحى، أساس الإيمان، هو مسئولية كبيرة و شاقة، و ليس بهذه السهولة. فى هذا الاختبار يقرر الباحث أن يدخل من الباب الضيق، و كل باحث قبل أن يدخل يعرف جيداً كم أن هذا الطريق شاقاً و صعباً. بكلمات أخرى، الحياة مع المسيح مسئولية، و ليست هينة. هذه المسئولية هى الدافع الأول لرفض عمل الله فى التاريخ البشرى، لأن الإنسان بغريزته الطبيعية يرفض الله و يرفض التبرير و القداسة فى المسيح. لكن الله كان واضحاً مع الإنسان، أنه بدون القداسة لن يرى أحد الآب (عب 12 : 14). هذا الحمل الثقيل، يرهبه و يخافه كل باحث جداً لحظة أن يتأكد من مصداقية التاريخ.

للأسف، دائماً ما يحاول الإنسان أن يغلف رفضه الروحى بعوامل و أسباب عقلية. تعدى البرهان و كسره، ليستطيع التملص من المسئولية التى عليه أن يتحملها إذا ما أتخذ القرار. لأن الأخلاقيات التى تفرضها العلاقة مع الله، يتخيلها كل باحث فى البداية شبه مستحيلة، تصبح هى العائق الرئيسى بينه و بين تحدى النزعة، خاصةً فى الاتجاه الليبرالى. لكن على مستوى العامة، يكون الوضع أصعب بكثير. إحدى المرات قالت لى صديقة أنها تعانى من مشكلة ضخمة مع خطيبها، إذ أنه ترك الإيمان و ألحد. تكلمت مع هذا الشاب لأعرف لما ألحد، فحاول بكل الطرق أن يُوحى لى بأنها أسباب عقلية هى التى دفعته للتخلى عن الإيمان. لكن للأسف، لم يكن يعرف شيئاً عن البحث العلمى فى المسيحية، و كل أسبابه ظهرت أمامى كمن يريد حجة و يبحث عن سبب ليتخلى عن الله. فسألتها عن شكل حياته، و أدركت أنها المشكلة الأخلاقية. كم كنت حزيناً أن أرى إنساناً يرفض الله لأجل متع دنيوية زائفة، و لا يهتم لدموع إنسانة أحبته بكل كيانها!

النتيجة واحدة، سواء على مستوى الباحث أو على مستوى الإنسان العادى. فكلاهما يضع الفرضية و يغذى النزعة، فيصل إلى معانقة المشكلة الأخلاقية و يبتعد عن الله، مُغلفاً هذا الابتعاد بالأسباب العقلية التى يوهم نفسه بها.

كان هذا عن الليبرالية، و لكن نفس الأمر يحدث مع الأصوليين، و لكن مع تغييرات بسيطة. فالله يصبح كالشرطى، بحسب الأصوليين، يبحث عن ثغرات و سقطات فى حياة الإنسان لكى ينزل به أشد أنواع العقاب و ينكل به. هذه الصورة المرعبة تساهم بشكل رئيسى فى تولد الخوف و الرعب لدى الباحث، و ينطلق منها مُوجِهاً بحثه، فى محاولة لتلاشى هذا الإله المرعب. هذا التشويه يمتد لكل أساسيات اللاهوت المسيحى، و لكن أشهر مثال هو صورة الله بحسب الأصولية. من ضمن التشويهات الرئيسية الأخرى التى قام بها الأصوليين، هو تشويش أساس الإيمان. مارتن لوثر لم يكن يهدف بحصر السلطة فى الكتاب المقدس فقط أن يعزل الكتاب عن الوسط الذى نما فيه هذا الكتاب، و إنما عن السلطة البابوية فى روما، و إخراج الكتاب للشعب المسيحى فى الغرب. و لكن الأصولية شوهت هذا المفهوم لزمن طويل، حتى بدأ اللاهوتيين مع بداية القرن العشرين - خاصةً علماء معهد برينستون بنجامين وارفيلد و تشارلز هودجز - فى مراجعة المفاهيم الأصولية عن سلطة الكتاب المقدس. و منذ السبعينات، عكف اللاهوتيين الإنجيليين، و خاصةً فى كندا، على مراجعة لاهوت لوثر، و مقارنته بلاهوت الأصولية.

تأثير الأصولية على أساس الإيمان، لا يقل خطراً عن تأثير الليبرالية. ففى الأصولية تحول أساس الإيمان من المسيح إلى الكتاب المقدس. فى الشرق، يظهر هذا التأثير فى قمة قوته، بينما لا نرى أثراً لليبرالية إلا نادراً. يظهر هذا بوضوح مع مراجعة تاريخ الإرساليات الأميركية إلى الشرق العربى فى القرن التاسع عشر بشكل خاص. هذا العامل، و الذى شعرت الكنائس التقليدية بخطره بشكل مباشر لم يتكرر مرة أخرى، بالإضافة إلى تأثير الثقافة الإسلامية المحيطة حول عقيدة المسلمين فى تنزيل نص القرآن، ساهما بشكل متضخم جداً فى ترسيخ المبادىء الأصولية و تشوش أساس الإيمان، بل و فى تشوش المفاهيم اللاهوتية التى نستطيع استقراءها من الكتاب المقدس، حول ماهية وحيه.

و اليوم، نرى ثمار نمو هذا الفكر المُشوش، بإحلال مسيحيى الشرق للكتاب المقدس بدلاً من الإختبار الروحى و المقابلة مع المسيح القائم من الموت، كأساس للإيمان. نتج عن هذا تحولات كبيرة و كثيرة فى الفكر اللاهوتى بشكل عام فى الكنائس الشرقية.

إعادة بناء اللاهوت

إن أشد ما نحتاج إليه الآن فى هذا الزمان، هو أن نعيد النظر فيما توارثناه من تقاليد خاصة، و مفاهيم غريبة، و تفاسير شخصية لنص الكتاب المقدس. ما تحتاج إليه الكنائس الشرقية، و خاصةً كنائسنا فى مصر، هو مراجعة لاهوتها فى ضوء الفكر الأصولى، و تنقيته من كل الشوائب التى لحقت به. حتى الكنيسة الإنجيلية فى مصر، عليها أن تواكب الفكر الإنجيلى العالمى. للأسف، نحن المسيحيين فى الشرق بحاجة إلى بناء لاهوتنا متكاملاً، و ليس فيما يخص الكتاب المقدس فقط.

عقيدتنا فى الثالوث، تاهت و أصبحت مشوشة، و أصبحنا لا نعرف عن الثالوث سوى شمس و ضوء و حرارة! و عقيدتنا فى فداء المسيح لنا، محت الهوية الأرثوذكسية و أحلت بدلاً منها النظرية الإنجيلية فى الفداء القانونى. فلتؤمن كل كنيسة بعقيدتها التاريخية، و ليكن الاختلاف قائماً و لكن لتلتزم كل كنيسة بهويتها. ما يملأنى حزناً و كآبة على الكنائس الشرقية كافةً، أنها نسيت قيامة الرب يسوع من الموت. نسينا قيامة الرب كشفاء البشرية، و نسينا قيامة الرب كتحرير للبشرية من الناموس، و بالأكثر نسينا قيامة الرب يسوع كتأكيد واضح و مباشر على حقيقة تصريحاته كابن الله.

لقد ظهر فى هذا الجيل رجالاً من الله، أعادوا بناء اللاهوت بشكل مستقيم بما يتناسب مع الهوية المسيحية، و أظهروا التعليم الآبائى المستقيم. لم يكن ذلك فى الكنائس التقليدية فقط، بل أرسل الله للكنيسة الإنجيلية رجالاً علماء أشداء. و للأسف الشديد، رفضنا هؤلاء الرجال القديسين، و رفضنا علمهم، و رفضنا لاهوتهم و تكبرنا عليهم. لقد نطق المسيح حقاً حينما قال:"لَيْسَ نَبِيٌّ بِلاَ كَرَامَةٍ إِلاَّ فِي وَطَنِهِ" (مت 13 : 57؛ مر 6 : 4).

لست أدعى أننى أحد هؤلاء الأبرار المعاصرين، بل أعرف فى داخل نفسى كم أن قلبى قاسى و رفض الرب و عمله كثيراً، و موقن أننى لست سوى خاطىء تمرر فى الخطية كثيراً و رفض نعمة الرب زمان هذا قدره. لست أدعى أننى مصلح لاهوتى، و لست أدعى أننى عالم فى أى مجال مسيحى. و لكن كل دراساتى بما فيهم هذه الدراسة، هى مجرد محاولات و اجتهادات أشرح فيها بعض الأفكار التى أتوصل لها. لست أدعى أن ما أقوله هو حق مطلق، لكننى مقتنع بكل حرف أكتبه. هذه رؤيتى، و هذا ما تعلمته من علماء المسيحية، و أنت لك عقل تستطيع به أن تميز. أنا لا أفرض رؤيتى عليك، ولا أقول لك أنك يجب أن تقبل ما كتبته و ما سأكتبه. هذا مجرد طرح أؤمن به، و أنشره فقط، و لكن لا أقصد به سوى أنه رؤيتى التى تعلمتها من العلماء و كتاباتهم.

فليعيننا الله أن نستنير بإنجيل المسيح.

الوحى

بعد هذه المقدمة الطويلة، أعود و أكرر أن آباء الكنيسة لم يعرفوا عقيدة محددة فى الكتاب المقدس، سوى أنه كلمة الله. هذه البساطة فى الإيمان بالكتاب المقدس ككلمة الله، لم تحتاج إلى تعقيد بالغ ينتج عنه بناء لاهوت متكامل حول الكتاب المقدس. و لكننا أصبحنا فى عصر يستلزم فيه أن نوضح و نفصل حول ماهية إيماننا و عقيدتنا فى الكتاب المقدس. لكن هذا التفصيل لا يبدأ من الكتاب المقدس نفسه، بل يبدأ من المفهوم البدائى: الوحى.

مفهوم "الوحى" له دلالات كثيرة و أشكال كثيرة، و لكن رغم هذه الأشكال و الصور الكثيرة، فجوهر معناه واحد: أن الوحى فى المفهوم الدينى، هو اتصال الله بالإنسان. هناك ثلاث مصطلحات تُترجم بالعربية إلى "الوحى"، لكن لها ثلاثة أشكال مختلفة:

· المصطلح الأول: Revelation. هذا المصطلح يُشير إلى إظهار الله لنفسه و إعلانه عن نفسه للإنسان. قد يكون ذلك الإعلان فى الرؤيا، فى الحلم، أو عبر أى طريق آخر.
· المصطلح الثانى: Inspiration. و هذا النوع هو وحى الكتاب المقدس، و الذى نقصد به أن الكتاب المقدس هو كلمة الله التى أوحى بها لبعض الرجال القديسين، فدونوها فى الكتاب المقدس، أى كانت الطريقة و بأى وسيلة و بأى شكل.
· المصطلح الثالث: Illumination. و هو عمل الروح القدس بداخل كل إنسان، ليرشده و يقوده أثناء قراءة الكتاب المقدس، للوصول إلى المعنى الصحيح للنص.

هذه التصنيفات تختلف فى أشكالها و وسائلها، و لكنهم جميعاً وحى من الله للإنسان. فالإعلان الإلهى (و هو يختلف عن الظهور الإلهى او الثيؤفانيا ولا يجب الخلط بينهم)، هو اتصال بين الله و الإنسان، و هو وحى، و لكنه يختلف عن الكتاب المقدس ككلمة الله، و هو وحى ايضاً، و الإثنين يختلفان عن إرشاد الروح القدس، و هو وحى ايضاً. الثلاث أشكال يتفقون فى جوهرهم على أنهم اتصال مباشر و حقيقى بين الله و الإنسان، و هذا الاتصال فى حد ذاته هو الوحى. و لكن الثلاثة يختلفون فى طبيعتهم و وسائلهم. ما سأتحدث عنه هنا هو وحى الكتاب المقدس.

الإيمان المسيحى الراسخ فى اللاهوت التاريخى، و الثابت من جذوره، حول الوحى، هو أن الله تعامل مع الإنسان، و جعله شريكاً فى عملية الوحى. نحن لا نعرف بالضبط كيف تمت عملية الوحى، لهذا فالوحى لا يُسمى "عقيدة كتابية"، لأن الكتاب لم يعلم عنه سوى وجوده، لكننا نستطيع استقراء بعض الملابسات و المعلومات من الكتاب المقدس حول ماهية الوحى، لهذا الوحى يُسمى "عقيدة لاهوتية". لقد شرحت سابقاً نصوص الوحى فى العهد الجديد، فلا أريد أن أتعرض لها ثانيةً الآن. لكن سوف أقوم بالتركيز على كيفية فهم وحى الكتاب المقدس، و النظريات التى نشأت حوله. و حينما أتكلم عن النظريات هنا، فلا أتكلم عن نظريات الوحى العامة، بل على طرق وحى الكتاب المقدس. فى الحقيقة، أسلوب وحى الكتاب المقدس ليس واحداً فى كل أجزاؤه، و هناك نظريتين رئيسيتين عن شكل الوحى المُقدم فى الكتاب المقدس.

نظريات الوحى الخاص
النظرية الأولى "الخبرة النبوية": و هذه النظرية تعنى أن الكتاب المقدس يحتوى خبرات الأنبياء أثناء حديثهم مع الله سواء فى رؤية، حلم، او عبر ملاك، او عن طريق الحديث المباشر مع الله. فبعدما اختبر الأنبياء الله، قاموا بتسجيل هذا الاختبار و دونوه فى سجلاتهم، التى أصبحت كتباً مقدسة فيما بعد، لأنها تحوى مذكرات هؤلاء الأنبياء عن هذه الأحداث الفريدة التى تمت. يصاحب هذه الخبرة دائماً، أقوال و تعليمات مباشرة من الله، و هى تلك الأقوال التى يكررها الأنبياء مرة أخرى على المستمعين، و من ثم تتم كتابها ليتم تداولها و نشرها بشكل أوسع. نستطيع أن نرى بالمقارنة، أن الأنبياء لم يلتزموا دائماً بالرسالة التى تلقوها حرفياً، بل بعض الأحيان عبروا بأسلوبهم الخاص، فأضافوا أو حذفوا قليلاً، بحسب الحاجة. و فى هذه النظرية يجب وضع عدة اعتبارات: أن هذه النظرية خاصة ببعض النصوص القليلة فقط، و غالباً ما تكون فى العهد القديم و التى تحتوى على بعض التعبيرات مثل:"و قال الرب" أو "و كانت كلمة الرب" و مثل هذه التعبيرات فقط، و أن هذه النظرية قد يكون بها نوع من الإملاء و لكن لا يُوجد ضرورة للالتزام بالحرفية المطلقة، و أنها نادرة جداً فى العهد الجديد خارج سفر الرؤيا.

النظرية الثانية "قيادة الروح": و هذه النظرية تعنى أن فى كافة نصوص الكتاب المقدس، كان عمل الروح القدس شاهداً، و موجوداً، و متداخلاً مع الكاتب. هذا العمل يتمثل بالكامل فى أسفار الكتاب المقدس كلها، و بكافة أنواعها. لكن بتغير النوع الأدبى Genre لكل سفر، يتغير شكل عمل الروح القدس. فالأسفار التاريخية التى تسرد تاريخاً، يختلف عمل الروح فيها عن الأسفار الشعرية، و كذلك عن بقية الأنواع الأدبية الموجودة فى الكتاب المقدس. قيادة و عمل الروح كعامل رئيسى فى الوحى، امر يختلف عن التلقى المباشر من الله. لأننا بذلك نعنى أن عملية التدوين (البحث فى المصادر الشفوية و المصادر المكتوبة، عمليات التسجيل و التوثيق، إجراءات التنقيح فى مراحل ما قبل النشر...إلخ) قد تمت بقيادة الروح القدس. هذا يعنى أن العامل الإنسانى لم يكن عملاً حراً بحسب إرادة الإنسان، و إنما بحسب إرادة الروح و قيادته للكاتب.

هاتين النظريتين عامتين بشكل كبير و واضح، و نحتاج فيهما إلى بعض التفصيل، خاصةً النظرية الثانية. لكى يكون كلامى واضحاً و مفهوماً، سأضع تصور للنظريتين بحسب الواقع الكتابى، للأولى من العهد القديم، و للثانية من العهد الجديد:

· التصور الأول: أن يختار الله أحد الرجال القديسين، و الذى يُرفِعه الله لمنزلة النبوة. ثم يعطى رسالة مباشرة لهذا النبى، عن طريق عدة وسائل: الظهور، الرؤيا، الحلم، الملاك...إلخ. يكون النبى فى حالة وعى تام و هو فى عملية الوحى، لأنه يقوم بعد ذلك بنقل هذه الرسالة، مما يؤكد أنه يكون واعياً لما يراه و يسمعه. يبدأ النبى مهمته بنقل هذه الرسالة للشعب، و غالباً هو يقوم بتكرارها، أى بإعادتها مرة أخرى، مما يعنى وجود نسبة عالية من الحرفية مرة لدى النبى، لأن نقل الرسالة غالباً ما يكون بمجرد تلقيها. فى أثناء نقل الرسالة قد يستخدم النبى أسلوبه الخاص، فيُضيف أو يحذف بحسب ما يحتاج إليه الأمر، لتصل الرسالة بشكل واضح، و يفهمها جميع الشعب. ثم بعد ذلك يتم كتابة هذه الرسالة التى ألقاها النبى على المستمعين، ثم تُسجل فى وثائق، و يتم نشرها بشكل أوسع و أشمل، فيحصل عليها كل أفراد الشعب.
· التصور الثانى: من الصعب تحديد كيفية عمل الروح بالضبط، و لكن يُمكننا تصوره على أنه إرشاد وجدانى داخلى، أو متابعة عقلية مستمرة طيلة أداء العنصر البشرى لدوره. فيقوم البشير بمحاولة جمع كافة المصادر التى يصل لها عن طريق جهده الذاتى، و بالبحث و التقصى حول المعلومات التى تصله، فيتيقن صحتها، و يتثبت من مصداقيتها، ثم يبدأ فى عملية مراجعة هذه المصادر، و تنقيحها من أى شوائب إن وُجِدت. بعد ذلك تأتى مرحلة التدوين و التسجيل، و فى هذه المرحلة يكون هناك عدة مستويات من التأليف و التنقيح و المراجعة. و أخيراً ينتهى الكاتب من صياغة الإنجيل الذى يكتبه. فى كل هذه المراحل يُمكننا أن نلمس دور مستمر للروح القدس فى المتابعة و المباشرة و الإرشاد، فرغم أننا نلاحظ الدور البشرى بوضوح فى الوحى، إلا أننا نؤمن يقيناً أن الروح كان مُظللاً لهذه العملية طيلة فترتها. هذا لا يعنى أننا لا نجد تدخلاً مباشراً بين الروح و الكاتب، بل نجد ذلك واضحاً فى نصوص كثيرة، مثل أن يقوم الروح بإعلام الكاتب بما حدث خلف الأبواب دون أن يكون موجوداً.

أحد المشكلات الرئيسية للوحى هى أننا لا نعرف كيف تم بالضبط. كل ما قام به العلماء هو اجتهادات لتفسير ما يمكن أن نعلمه عن الوحى من خلال الكتاب الذى بين أيدينا. و بالتالى لا نستطيع أن نقول على وجه الدقة كيف تمت عملية الوحى. لكن هذا لا يعنى أننا لا نستطيع أن نقول شيئاً على الإطلاق؛ بل هناك بعض الأساسيات التى لا يمكن الشك فيها. أثناء عملية الاستقراء، يتبين لنا بعض الحقائق الثابتة فى كافة النصوص المُختبرة فى الوحى.

من هذا الاستقراء نستنبط التالى، حول عملية الوحى:

· الوحى كان عملية مشاركة متبادلة بين الله و الإنسان، تمت فى مجموعة من الحدود و الإطارات، دون طغيان الله على الإنسان و لا طغيان الإنسان على الله.
· الوحى لم يكن عملية إملائية، و إنما كان إحلالاً لجوهر فكر الله فى كلمات الإنسان. هذه الكلمات أصاغها الإنسان بإسلوبه، و بحسب ثقافته، و بحسب مصطلحات المجتمع الذى يعيش فيه.
· الوحى لم يلغى البحث التاريخى، بل شجعه، و حفز الكتبة على البحث و التقصى حول المعلومات المُسجلة و التيقن منها.
· الوحى كان صريحاً و مباشراً فى بعض العبارات، مثل أن يقول نبى "و قال لى الرب..."، و قد يكون غير صريحاً كما فى بقية الكتاب المقدس.
· وحى الكتاب المقدس يهتم بالجوهر لا بالظاهر، و تم ذلك بعدة أشكال. كلمات يسوع فى الأناجيل ليست هى كما نطقها يسوع بالحرف، و إنما هى جوهر ما قاله يسوع.
· الوحى هو وحدة واحدة و غير قابل للتجزئة على نصوص كل كتاب من كتب الكتاب المقدس، فلا يُمكن أن يُضاف للوحى ولا يُمكن أن يُحذف من الوحى لأنه ليس نصياً.

هذه بعض الاستنباطات التى نصل لها عن طريق دراستنا لنصوص الكتاب المقدس، بهدف تعيين ماهية الوحى الإلهى. لكن هذه النتائج يترتب عليها بعض الأمور:

· أن الكتاب المقدس فيه عنصرين: عنصر إلهى و عنصر بشرى.
· أن الكتاب المقدس يضم بين دفتيه كلمة الله و الحقائق التى أعلنها لنا من خلاله، عن نفسه و عن تاريخ تعامله مع البشر.
· أن الكتاب المقدس هو إعلان الله بشكل طبيعى، دون إعجاز و دون أى أمر خارق للطبيعة، عدا فى الرؤى.

نظريات الوحى العام

هذه النتائج و هذه العناصر التى نصل لها، لم يتم تفسيرها بشكل مُوحد من قبل العلماء المسيحيين فى كل الأزمنة. هذا البحث المسيحى فى وحى الكتاب المقدس، و الذى يستمر مداه لأكثر من مائة و ثلاثين عاماً، أوجد لدينا ثراءً من المواد، سواء العلمية أو التطبيقية. أدت طرق الوحى هذه إلى عدة نظريات أخرى فى تشكيل عقيدة عامة للوحى الإلهى للكتاب المقدس. سأتناول فيما يلى أشهر أربعة نظريات، و من ثم تقديم المنافسة بين النظريتين الأكثر انتشاراً غير أولئك الأربعة.

الوحى التاريخى: أى أن الله قد أوحى بالأحداث التاريخية للكاتب، و قام بإرشاده لها، و يدخل فى ذلك عنصر الإملاء إلى حد ما. ذلك لأن الكاتب لم يكن معاصراً للأحداث التاريخية التى لم يسجلها. أما النص فهو من الكاتب، و ليس من الله و لم يكن مُوحى به. من اللاهوتيين الكلاسيكيين الذين اعتقدوا فى هذه النظرية: جون بالى، ديفيد كيسلى، و جيمس بار. مشكلة هذه النظرية متعددة الأطراف؛ فهى تحصر الوحى فقط فى التاريخ و ليس فى النص، بينما غالبية كتب الكتاب المقدس لا علاقة لها بالتاريخ، و مع ذلك هى وحى. من ناحية أخرى، هذه النظرية تقوم بإلغاء أحد الحقائق الثابتة عن الوحى الإلهى، و هو أن الإنسان عنصر فيه.

الوحى الداخلى: هذه النظرية ترى وحى الكتاب المقدس على أنه مجرد خبرات و نظرات ثاقبة لرجال ذو ثقافة دينية عالية، و لديهم المقدرة على التعبير عن مشاعرهم و الحقائق التى يرونها فى أسلوب شعرى أو أسلوب بلاغى فقط. هذه النظرية لا تقول فقط أن الكتاب مُوحَى به من الله، و لكن الكتاب ايضاً مُوِحى لبقية البشر. فكان ختام النظرية أنه لابد من الربط بين الوحى و الإيحاء. هذه النظرية لها عدة مشكلات رئيسية. بكل الأشكال، الكتب الشعرية و الأسفار البلاغية هى جزء قليل من الكتاب المقدس، فما هو وضع بقية الكتب بالضبط؟ مشكلة أخرى، أننا نستطيع لمس حقيقة الوحى الإلهى فى الكتب التى لا تُوحِى بشىء على الإطلاق. هذه النظرية عبر عنها الألمانى المعروف شيلماخر.

الوحى العقيدى: أى أن العقيدة فقط، و خاصةً النصوص العقيدية، هى التى أوحى بها الروح القدس فقط، و بقية النصوص من عمل العنصر البشرى. المشكلة مع هذه النظرية ضخمة جداً، لأنها لا تنطلق من أساس فلسفى، بل أساس إيمانى بحت. فكيف يُمكن فصل النص العقيدى عن سياقه؟ و كيف يُمكن أن نعتبر الكتاب المقدس كتاب عقيدى فقط، فى الوقت الذى يظهر فيه الكتاب المقدس فى المقام الأول كوثيقة تاريخية، تشتمل فى أغلب أجزائها على تاريخ علاقة الله بالبشر! بل حتى أن هذه النظرية تلغى دور العنصر البشرى فى عملية الوحى ذاتها، حتى و إن كانت لا تلغيه فى عملية تسجيل و توثيق هذا الوحى.

الوحى الجدلى: هذه النظرية تقول بأن وحى الكتاب المقدس لا يكمن فى داخله، و إنما فى فاعليته أثناء عمل الروح القدس بداخل الإنسان. بمعنى أن الكتاب مُوحى به بالفعل فى كافة أجزاؤه، لكن فى حالة وضع الكتاب المقدس فى اعتباره بجانب عمل الروح القدس، يظهر هذا الوحى. أما إذا قرأ الفرد الكتاب المقدس لأى هدف آخر غير المعرفة الوحية، يفقد وحيه بشكل فعلى و ليس قيمى فقط. المشكلة مع هذه النظرية واحدة و لكن رئيسية، و هى أنها تقول بأن الإنسان إذا أقترب من الكتاب المقدس بشكل غير روحى، فإن الكتاب لا يعود وحياً ثانية. هذا غير حقيقى، لأن الإنسان و حالته ليست هى المعيار، و انعدام الحالة الروحية لا يُوقِف الكتاب كونه وحياً من الله. هذه النظرية أيدها كارل بارث، أكبر لاهوتى فى القرن العشرين.

هذه النظريات الأربعة، كلها نظريات ناقصة. لو دققنا أكثر، سنجد أن المؤيدين لتلك النظريات، أوجدوا فكرهم من خلال مجال تخصصهم فى الكتاب المقدس. كل نظرية من هذه النظريات وحدها ناقصة، و لكن إذا وضعناهم معاً سنجد نطاق أكبر مقبول لما يمكن أن نستشفه عن وحى الكتاب المقدس. و مع ذلك، فترتيب هذه النظريات معاً احتاج إلى تنسيقهم فى شكل أوسع ليشمل كل النواحى. مع ترتيب هذه النظريات معاً، خرج لدينا نظريتين رئيسيتين، هما اللتين نجدهما اليوم.

الوحى اللفظى التام
الوحى اللفظى التام Verbal Plenary Inspiration هى أشهر عقائد الوحى. بقولنا "اللفظى" نعنى أن كل كلمة فى الكتاب المقدس، قد كتبها كتبة الأسفار بإرادتهم، و لكن الله هو الذى حددها و أختارها. فى نفس الوقت، لا نقول أن الله أملى الكتبة هذه الكلمات. أى أن الله اختار هذه الكلمات، لكنه لم يمليها على الكتبة، بل تركهم هم يصلون لها و يكتبونها بإراداتهم الحرة. و بقولنا "التام"، نقصد أن كل الكتاب المقدس بهذا الشكل، شاملاً كل جزء فيه و كل كلمة فيه.

بهذا الشكل، يُمكننا أن نعيد تكوين عملية الوحى كالتالى: أن الله اختار رجال قديسين، جعلهم مؤتمنين على كتابة كلمته التى يريد إيصالها للبشر. فى لحظة معينة لا نعرف تفاصيلها ولا دقائقها، أوحى الله بكلمته فى جوهرها و موضوعها و مغزاها و هدفها، إلى الإنسان. ثم حدد الله الكلمات التى سيستخدمها الكاتب بحسب خلفيته و ثقافته، و تركه يكتب بطريقته الخاصة. هنا يجب أن ننتبه إلى ملاحظة هامة و خطيرة جداً: أن الله لم يوحى بهذا الحرف ابداً، و لم يمليه على الكتبة، و لم يتدخل فى شخصيات الكتبة، و إنما اختار الكلمات و ترك الكتبة يصلون لها.

المشكلة التى يسقط فيها الكثيرين، حتى من الإنجيليين المؤمنين فى الغرب، هو تخيل أن اختيار الله للكلمات يعنى أنه قام بتحديد ما الذى سيكتبه الكاتب. فى نفس الوقت، لا يمكن تخيل وجود وحى لفظى دون اللجوء إلى نظرية الإملاء. هذا ليس ما لاحظته أنا فقط، بل ما لاحظه علماء كثيرين. رغم هذا، فهناك رفض قوى و مُستغرب لقضية الإملاء من قِبل المؤمنين بالوحى اللفظى التام. هناك قطاع كبير لا يرى فرق بين الوحى اللفظى و الوحى الإملائى، و لكن بحسب دراستى، أستطيع أن أرى عدة فروق فى العملية نفسها. دعنى أعطيك مثالاً: أشهر تطبيقات نظرية الوحى اللفظى التام، هو أن إرادة الإنسان لم تخالف إرادة الله فى اختيار الكلمات. فى هذا النموذج سنجد إرادتين، و سنجد رغبتين للإرادتين، و لكن النتيجة واحدة، لأن الرغبتين فى الحقيقة رغبة واحدة فقط. هكذا، لا يكون هناك تعارض بين انعدام الإملاء و وحى الكلمات ذاتها. لكن المشكلة الحقيقة تكمن فى شكل المُنتج النهائى. لو نظرنا لهذه النظرية ببعض التأمل، سنجد أنه لا فرق بينها و بين الإملاء فى النتائج. المُنتج النهائى فى نظرية الوحى اللفظى التام هو أن الكتاب المقدس مُوحى به حتى أدنى كلماته، و المُنتج النهائى فى نظرية الوحى الإملائى هو أن الكتاب المقدس مُوحى به حتى أدنى كلماته.

المؤمنين بنظرية الوحى اللفظى التام، يُصِرون على أنه حتى لو كان لا فارق فى النتيجة بينها و بين الإملاء، فإن العملية نفسها لم تكن إملائية. كيف هذا؟ لا نعرف بالضبط. كما سأشرح فى نهاية هذه الدراسة تفصيلياً، فإن عملية الوحى نفسها تخرج عن حدود فهم العقل البشرى. كما أن يسوع المسيح هو إله و إنسان فى نفس الوقت، كذلك الكتاب المقدس إلهى و بشرى فى نفس الوقت. نحن لا نستطيع أن نفهم كيف أن يسوع المسيح إله و إنسان معاً، رغم أننا نقر بهذه الحقيقة؛ كذلك الكتاب المقدس، لا يُمكننا فهم كيف أنه إلهى و بشرى فى نفس الوقت، رغم أننا نقر بهذه الحقيقة.

الأسباب التى يُصِر لأجلها المؤمنين بهذه النظرية عليها، لا يُمكن ربطها بالإعلان الإلهى، لأننا أصبحنا نتحدث فى مرحلة تتعدى البرهان الكتابى الصريح، و حتى البرهان الاستقراءى. لكن الأسباب الرئيسية للتمسك بوحى اللفظ، هما سببين: سبب لاهوتى و سبب فلسفى.

السبب اللاهوتى هو الخطية. وضعت الخطية حائلاً و حاجزاً بين الله و الإنسان، لذلك كان لآثار الخطية رؤية معينة فى المجتمع الإنجيلى فى الغرب فى العنصر الإنسانى فى الكتاب المقدس. فبسبب أن للخطية تأثير جزرى على علاقة الإنسان بالله، و أدت إلى كسر هذه العلاقة، فقد استحال على الإنسان الوصول مرة أخرى لله بمجهوده الذاتى. لذلك كانت المبادرة من الله، لأنه هو القادر، و كان على الإنسان الاستلام و التلقى. و لأن الكتاب المقدس هو رسالة الله لخلاص البشرية، و لأن خلاص البشرية بحسب خطة الله هو عمل يقينى، فلم يكن بمقدور الإنسان الساقط أن يُساهم فيه، و كان على الله أن يقوم باختيار الرسالة و اللفظ معاً بدقة، حتى يكون هناك ضمان ليقين خلاص الإنسان.

السبب الفلسفى هو الخوف من مذهب الذاتية الفلسفى. بدون تعقيد، هذا المذهب ينادى باستقلالية الطاقة الإنسانية، و هو ما يتعارض مع المفهوم الأنثروبولجى المعروض فى السبب الأول. فلأن استقلالية العنصر البشرى يُبعِد الخلاص الإلهى عن المركز، بالإضافة إلى إبعاده مفهوم اليقين فى الخلاص عن مركزية خطة الله. هذه الأنثروبولجية تؤكد على أن الإنسان لا يد له فى الخلاص، و بالتالى فهو لا يستطيع أن يقدم شيئاً لخلاص نفسه.

لا أريد أن أقدم نقداً لهذه النظرية، حتى و إن كنت لا أؤمن بها. لكن أريد أن أقدم نقداً للأسباب التى تقف وراء الإصرار على وحى اللفظ:

· اولاً: الخطأ الرئيسى فى هذه النظرية، هو اعتماد الكتاب المقدس، كهيئة خلاص الله المُقدم للبشرية. هذا الخطأ الشائع، كما أشرت فى البداية، يجعل الخلاص فى معرفة الخلاص، و ليس فى الخلاص فى ذاته. التعليم بأن معرفة الخلاص (معرفة المسيح) هى التى تُخلِص، و ليس الخلاص نفسه (المسيح)، يتناقض مع تعليم الكتاب المقدس، بل و حتى مع التعليم الأنثروبولجى الإنجيلى. بهذا نحن نجعل الإنسان هو سيد قرار الخلاص، بحسب معرفته، و ليس فى عمل المسيح الشامل. مثال على هذا الاحتجاج هو كل فرد عاش قبل إتمام عمل المسيح. كل فرد عاش على رجاء المسيح لم يعرف بخلاص المسيح، و إنما مات على الرجاء. و بالتالى فخلاصه فى العمل و ليس فى معرفته الشخصية بهذا العمل.
· ثانياً: هناك خلط بين الحقيقة و يقين الإنسان من الحقيقة. الكلمات التالية تُعبر عن واقع نظرى ولا علاقة لها بالواقع الروحى العملى. الكتاب المقدس يُعلم بأن الحقيقة مُطلقة، و لكن لا يُعلم بأن الحقيقة المُطلقة فى متناول البشر. و بالتالى لا يُوجد شىء اسمه حقيقة مُطلقة فيما يتعدى الحواس الخمس، يُمكن أن يكون فى متناول الإنسان. الأمر نفسه بالنسبة لخلاص الإنسان، و الدور الذى يلعبه الكتاب المقدس فى إتمام هذا الخلاص. لا يُمكن أن يكون هناك ثقة مطلقة حول معنى النص، لأن النص تأويلى و ليس مُطلقاً. بدلاً من ذلك، فالمنهج العلمى يُحتم وضع كافة الاحتمالات معاً، و من ثم عمل تقييم لهذه الاحتمالات، و اختيار أفضل هذه الاحتمالات تفسيراً للمعطيات المتوفرة.
· ثالثاً: يجب التفريق بين العنصر الإنسانى الحر و العنصر الإنسانى فى يد الله. الخوف من الاستقلالية ليس له ما يبرره، لأن إعطاء دور أكبر للعنصر البشرى فى عملية الوحى، لا يعنى استقلاله عن العنصر الإلهى. و لو أن هناك نظريات أخرى تسمح بحرية للعنصر البشرى، فهذا لا يعنى أن هذه الحرية خرجت عن رعاية و عناية الله.
· رابعاً: الإقرار بأن تدخل النقص البشرى فى الكتاب المقدس، يعنى وجود نقص فى الكتاب المقدس، مما يؤدى إلى انعدام صفة الكمال الأساسية، يطعن فى أحد أساسيات اللاهوت المسيحى، و هو مفهوم "الاستعادة" Restoration. هذا المفهوم ثابت فى الكتاب نفسه، و هو يعنى ببساطة: أن الله قادر على استخدام الضعف، و الفساد، و النقص، فى إنتاج القوة و المجد و الكمال. سأناقش هذا المفهوم لاحقاً فى الحديث عن العصمة تفصيلاً.
· خامساً: فى عصور متفرقة، لم يكن لدى المسيحيين نفس الكلمات التى أوحى الله بها فى نصوص معينة فى الكتاب المقدس. لم يكن هذا تراثاً فى الماضى، بل حتى الآن و فى كل زمان، هناك نسبة ستظل غير مُدركة و غير معروفة للإنسان بالضبط، حول نص الكتاب المقدس. أنا لا أقول أن عقيدة الوحى اللفظى تُحتِم عقيدة الحفظ، بل سأتناول هذا تفصيلاً لاحقاً، و لكن هل نستطيع أن نقول بأن كلمة الله "الدقيقة" لم تصل البشر فى عصور كثيرة مختلفة، فقط لأن اللفظ لم يكن ثابتاً؟ بالتأكيد لا.

رغم ذلك، فأغلب الإنجيليين يعتنقون هذا الفكر، بعد التراث اللاهوتى الضخم الذى خلفه وارفيلد و هودجز. الوحى اللفظى التام ليست نظرية بها عيوب، بل نظرية تتكامل تماماً مع النقد الكتابى، ذلك العلم الذى أصبح معياراً (و ليس دافعاً) للتفتيش على مدى تكامل الإعلان الإلهى مع البحث الإنسانى الحديث. لكن الصراع المرير يظهر فى حقيقته مع عقائد العصمة بكافة أشكالها، و هو ما سأتناوله فى الشق الثانى من هذه الدراسة.

تتضمن نظرية الوحى اللفظى التام، معنيين يُقصد بهما لفظ "التام":

· المعنى الأول: أن كل أجزاء الكتاب المقدس هى وحى من الله؛ بمعنى أن الفرد إذا فتح أى جزء فى الكتاب المقدس، سيقرأ كلمة الله و ليس كلمات الإنسان فقط.
· المعنى الثانى: أن الكتاب المقدس هو الوحى التام، فلا يوجد أى نصوص مُوحى بها خارج الكتاب المقدس، سواء فى كتب دينية أخرى، أو فى كتابات إلهامية.

من خلال الاستقراء الذى قدمناه بدايةً، يتأكد لنا صحة المعنى الأول. فوحى الكتاب المقدس وحدة واحدة، غير قابل للتجزئة على نصوص و أعداد. لكن المعنى الثانى يتناقض مع البرهان الذى يقدمه اللاهوت التاريخى، خاصةً اللاهوت الآبائى!

آمن آباء الكنيسة الأولى، بوجود وحى خارج الكتاب المقدس. و لدينا فى كتابات الآباء، حوالى تسعين نص آبائى، يُشير إلى نصوص من خارج الكتاب المقدس، على أنها وحى. فى غالبية هذه النصوص، الكلمة اليونانية المُستخدمة، هى نفسها المُستخدمة فى 2 تى 3 : 16. غالبية هذه النصوص تُشير إلى كتابات الآباء نفسهم، على أنها وحى. فمثلاً، نجد القديس غريغوريوس النزينزى، يصف تفسير القديس باسيليوس لأيام الخليقة، على أنه وحى تام، و لا يقل عن الوحى الذى تلقاه موسى نفسه. تغطى هذه النصوص فترة كبيرة جداً فى عصور الآباء، فتبدأ من عصر الآباء الرسوليين و تصل إلى العصر المتأخر (ق. 7 – 8).

لذلك توصل العلماء إلى أنه هناك فرق بين القانون و الوحى، و أصبحت قاعدة علمية اليوم: أن الوحى ليس هو معيار قانون الكتاب المقدس، و أن القانون لم يكن قصده تحديد الوحى، و إنما تحديد التعليم الرسولى.

و منذ الربع الأخير من القرن العشرين، دعا العلماء الإنجيليين إلى ضرورة وضع الكتاب المقدس فى الوسط الذى نما فيه. فالكتاب المقدس هو كتاب الكنيسة، و الكنيسة هى مجتمع الروح الذى نشأ فيه هذا الكتاب و استقر. منذ ذلك الوقت، بدأ الإنجيليين فى مراجعة لاهوت لوثر، و شددوا على التفريق الدقيق فى مصطلحات الكنيسة التى استخدمها لوثر. كانت هذه هى الشرارة التى دعت العلماء الإنجيليين و الكاثوليك، ليعملوا معاً فى مراجعة لاهوت لوثر بالكامل فى كل الفروع، و ليس فى الكتاب المقدس فقط.

غير أنه من الأمانة أن أؤكد أن المعنى الأول هو المميز فى نظرية الوحى الفعلى التام، و المعنى الثانى هو معنى ثانوى لا يشدد عليه الكثير من الإنجيليين.

على الجانب الآخر، هناك رؤية عامة أخرى للوحى، لكننا لا نستطيع أن نسميها نظرية، لأن تفاصيلها تختلف من شخص إلى آخر. هذه الرؤية يُمكن تسميتها بالرؤية الموضوعية، أو الرؤية التفاعلية. ذلك لأنها ترفع الشركة بين الله و الإنسان فى كتابة الكتاب المقدس إلى القمة، دون أن يطغى الله على الإنسان ولا أن يطغى الإنسان على الله.

الرؤية الديناميكية الموضوعية
هى تعبير عن التفاعل الحقيقى بين الله و الإنسان، و كل تركيز هذه النظرية هو عن وجود معاملة ديناميكية أو معاملة فعالة بين الله و الإنسان. فى هذه الرؤية لا نرى الله مجرد مُلقِن و الإنسان مجرد قلم يدون ما يقوله الله. بل نرى أن الله له دور و الإنسان له دور ايضاً، ليس فى عملية الكتابة فقط، بل حتى فى عملية تكوين المادة التى سيتم وضعها فى الكتاب ايضاً. لكن لأن هذه الرؤية بهذا الشكل مجالها واسع، لا يمكننا وضعها فى شكل قالب نظرى و من ثم تطبيقه. لذا سأضع الأساس العام للرؤية، و من ثم وضع بعض الأمثلة على كيفية تطبيقها.

الأساس العام لهذه الرؤية هو أن الله أوحى بالمحتوى الفكرى فقط، و ترك مهمة الصياغة بشكل كامل للإنسان. لكن يجب الانتباه إلى أن هذه رؤية عامة، مما يعنى أن تفسير هذه القاعدة العامة، ينتج عنه تفاسير مختلفة، ترى القاعدة من عدة زوايا. كى يكون الكلام واضحاً بأقصى ما يُمكن، سأضع بعض الأسئلة التى ستساعدنا على فهم حدود هذه القاعدة:

· إلى أى مدى يُمكن أن نحدد الفكر الذى أوحى به الله؟
· القاعدة العامة تحدد أن الصياغة هى مهمة بشرية بالكامل، و لكن هل يُمكن أن يستخدم الله الإنسان فى عملية تجميع الفكر نفسه، بجانب مهمة الصياغة؟
· إذا كان الإنسان قد أشترك فى مهمة وضع الفكر، فما هى الدوافع و الضوابط التى تشكل هذه العملية؟
· ما هى حدود الطاقة البشرية، أو الإدراك البشرى و تأثيره على كون الكتاب المقدس وحى، بهذا المنطق؟
· ما هى الآليات التى أستخدمها الله فى إيصال الفكر، ليس للكاتب فقط، و إنما للبشر كافةً ايضاً، لضمان وصول الفكر بشكل سليم؟
· ما هى الرسالة؟ و ما هو الفرق بين الفكر و الرسالة؟
· هل يُمكن للإنسان أن يكون له دور فى الرسالة؟

لا أريد أن أدخلك فى متاهات كثيرة الآن، و لكن سأعرض بعض التفاسير الرئيسية. مع الأخذ فى الاعتبار أن هذه التفاسير ليست شاملة، و حتى بداخل كل تفسير يُوجد خلافات كثيرة بين نظرة كل فرد و آخر.

التفسير الرئيسى لهذه القاعدة العامة، فى ضوء الأسئلة المعروضة أعلاه، كالتالى: أن الله أوحى للكاتب أن يقوم بالكتابة فى موضوع معين، بهدف إيصال رسالة معينة. هذا الموضوع له فكر رئيسى معين، و من خلال هذا الفكر، يستطيع القارىء أن يصل لرسالة النص. و هنا يلزم التفريق بين فكر النص و رسالة النص، لأن الفكر هو المحتوى الجوهرى للنص، بينما رسالة النص هى النتيجة التى يخرج بها القارىء. فكر النص و رسالة النص، ليسا معنى النص كما يفهم الكثيرين فى الشرق. فى أثناء تجهيز هذا الفكر، يشترك الإنسان مع الله فى تجهيز مادته ايضاً، بالإضافة إلى دوره الطبيعى فى صياغة النص. أما رسالة النص فهى الهدف الذى حدده الله من البداية، و هى النتيجة التى يصل لها القارىء فى النهاية. هذه الرسالة لا دخل للإنسان فى تكوينها، ولا يُمكن له بأى حال أن يساهم فيها.

ما هى حدود تدخل الإنسان فى بناء الفكر الجوهرى للنص؟ هذا أمر مُختلف عليه، و عليك أن تحدد ما تراه بنفسك. بشكل عام، تنقسم الرؤى حول تدخل الإنسان فى بناء الفكر إلى عدة اتجاهات:

أولاً: تدخل الإنسان فى الفكر قد يمتد إلى إدخال نموذج من التراث البشرى، مع بعض التعديلات، لإيصال الرسالة من خلاله. كمثال، هناك تيار واسع يعتقد أن فى أسفار العهد القديم عنصر أسطورى، مأخوذ من عدة كتابات من التراث البشرى، مع بعض التعديلات. لكن العلماء المؤمنين بهذا الاعتقاد فى الغرب، و اللاهوتيين المؤمنين به فى الشرق، أكدوا كثيراً أن بعضاً من هذه التعديلات، لا يبدو و كأنه مجرد تغيير عابر، بل أنه هادف و له مغزى. بهذا الشكل، يكون قد اشترك الله و الإنسان معاً فى تجهيز الفكر الجوهرى للنص، و الذى عن طريقه تصل الرسالة التى عينها الله منذ البداية للقارىء. فاستخدم الله القطعة التراثية من خلال الإنسان، و فى نفس الوقت تمت بعض التغييرات لتصل الرسالة بوضوح.

ثانياً: دور العنصر البشرى فى تجهيز الفكر، قد يحدث فيه خطأ. هذا الخطأ يكون فى إعداد المادة التاريخية أو العلمية للفكر الجوهرى للنص، لكنه ليس فى رسالة النص. هذا الفكر يرتكز بشكل مباشر و رئيسى على مبدأ الاستعادة اللاهوتى؛ أن الله قادراً على استخدام الضعف لينتج كمالاً. فلو أننا وجدنا خطأ تاريخى فى الكتاب، فهذا لا يعنى أن هذا الكتاب ليس من الله، بل هناك احتمال آخر، و هو أن هناك دافع معين فى أعماق الله وراء السماح بورود هذا الخطأ.

ثالثاً: من الممكن أن يستخدم الكاتب مواد غير حقيقية، لبناء فكر واضح، تصل الرسالة بأوضح شكل من خلاله. كمثال، خرج أحد العلماء (جندرى) الإنجيليين، على المجتمع الإنجيلى فى بداية الثمانينات، بتفسير لإنجيل متى، آثار زوبعة شهيرة جداً فى الجمعية الإنجيلية اللاهوتية. كان الشكل العام لتفسير هذا العالم، أن متى استخدم بعض المواد الغير حقيقية، بهدف إيصال رسالة معينة من وراءها. مثال على ذلك، قصة ظهور النجم للمجوس، لم تكن حقيقية، لكن متى استخدمها كى يجعل القارىء ينتبه لرسالة معينة. جندرى له احتجاجاته الكثيرة و الخاصة بطرحه هذا، متعلقة فى أغلبها بالأدب الرابيني اليهودى. لكن منبع الفكر نفسه هو مفهوم الوحى.

هذه بعض التصورات الرئيسية لمدى تدخل العنصر البشرى فى تجهيز مادة الفكر نفسه. لكن فى كل التصورات و فى كل الأحوال، يؤكد اللاهوتيين على أن الرسالة الخاصة بالفكر، هى رسالة إلهية خالصة، خرجت بحسب حكمة و إرادة الله.

نقد الرؤية الديناميكية
نقد الرؤية الديناميكية هو نقد واسع، و يُمكن لأى فرد تخيل المخاطر التى قد تنتج عنها، و رغم أنها نظرية إنجيلية واقعية، غير أن تناولها يجب أن يكون فى أشد الحذر، و الإيمان بها يجب أن يكون عن قناعة تامة بعد دراسة علمية طويلة جداً. و من أكثر المخاطر التى تنتج عن هذه النظرية، هو عدم القدرة على التمييز و تحديد دور العنصر البشرى بشكل عام. هذا و إن كان ميزة فى تأكيد أن الوحى وحدة واحدة، فقد يفتح باباً كبيراً أمام الباحث حول المادة البشرية فى الكتاب المقدس.

سر الوحى
تبدأ المشكلة من الإنسان لا من الله. أرى كثيرين يفرضون معايير معينة على الوحى، ثم يقومون بتطبيقها على الكتب التى تدعى أنها وحى من الله. المشكلة فى هذا المنهج أنه يفرض على الله ما الذى يجب أن يقوم به، بدلاً من البحث عما هو حقيقى فعلاً. هناك منهج عام أراه فى الشرق كثيراً، يختبىء وراء غلاف فلسفى، كالتالى: أن الله هو إله كامل لا يشوبه نقص، و بالتالى لابد أن يكون الكتاب المقدس كامل لا يشوبه نقص. نعم هذا صحيح، و لكن كيف يُفهم النقص، و كيف يُفهم الأمر الناقص، هذا هو مكمن المشكلة. لو أن هناك خطأ تاريخى فى الكتاب المقدس، فهل هذا يعنى أن الكتاب لا يحتوى على وحى الله؟ من الوارد أن يكون الله قد قصد استخدام هذا الخطأ لغرض ما، فهل فى هذا الحال يكون استخدام هذا الخطأ أو وروده نقصاً؟ لكن المشكلة تقع فى رفضنا السعى وراء الحقيقة، وراء حقيقة ما أعلنه الله.

الإنسان بطبيعته يميل للمادة، و الظاهر، و الملموس، لأن هذا هو ما يستطيع أن يعقله فيصدقه. لكن التفاعل مع الله يستلزم من الإنسان أن ينزع عنه كل فكر معين عن الله، و أن يزيد فرصته من التوقع أكثر، لأنه يتعامل مع عقلية تفوق حدود و إدراك العقلية البشرية.

خاصةً فى الإيمان المسيحى، حيث تحتل العلاقة بين الله و الإنسان الجوهر و المركز. و رغم أن الله أعلن الكثير عن نفسه للإنسان، إلا أن ماهية الوحى بالضبط و على وجه التحديد، يبقى سراً خفى عن الإنسان. العلماء دائماً ما يشبهون وحى الكتاب المقدس بطبيعة الرب يسوع. أننا نستطيع السجود أمام إعلان الكتاب المقدس عن طبيعة المسيح: الإله و الإنسان فى نفس الوقت، و لكننا لا نستطيع فهم كيف هذا. حاول رجال الله فى عصور كثيرة أن يتصارعوا مع هذا الفكر لكى يفهموه، و لكن مهما كانت اجتهادات الإنسان، فلا يمكن أن يصل للحقيقة الكاملة، أو فهم كامل، حول طبيعتى المسيح. كذلك الأمر بالنسبة للكتاب المقدس، فى طبيعة وحيه. الكتاب المقدس يعلن أنه وحى الله، و لكننا لا نستطيع تحديد ماهية هذا الوحى بالضبط، ولا يمكننا أن نفهمه بشكل كامل. حاول رجال الله كثيراً فى عصور كثيرة، خاصةً فى القرنين السابقين، أن يفهموا ماهية الوحى، و كيف يمكن أن يكون إلهى و بشرى فى نفس الوقت، لكن لا يمكن ابداً للإنسان أن يفحص عقل الله. لكن كما أن عدم فهمنا لم يمنعنا من قبول إعلان المسيح أنه إله و إنسان، كذلك عدم فهمنا لا يجب أن يمنعنا عن قبول إعلان الكتاب المقدس أنه إلهى و بشرى. و وجود العنصر البشرى فى الكتاب المقدس، يعنى أن هناك صراع مستمر و دائم مع الله. بوجود هذا العنصر، أصبح لدينا مساحة معينة من البحث العلمى، الذى يجب أن يُوظَف لبحث طبيعة و ماهية ما قدمه العنصر البشرى للكتاب المقدس.

الآن و قبل أن ننتقل لمناقشة العصمة، يجب أن ندرك أن نظريات الوحى كافةً تشتمل على ثلاثة عناصر نشيطة و ليس واحداً فيهم صامتاً: العنصر المُلقى، العنصر المُتلقى، و الوسيط بينهما. العنصر المُلقى هو الله، العنصر المتلقى هو الإنسان، و الوسيط بينهما هو الروح القدس. هذه الثلاثة عناصر جميعهم فعالين و نشطين، ولا يوجد فيهم من هو مُصمَت. أما الاختلاف بين النظريات، فيكمن فى دور و حدود كل عنصر فيهم.

العصمة
إذا كان التعليم بوحى الكتاب المقدس راسخ فى الكتاب المقدس و اللاهوت التاريخى، فإن مصطلح "العصمة" هو مصطلح لا وجود له قبل عصر التنوير. هذا الاصطلاح لا وجود له فى الكتاب المقدس، و لم يعلم الكتاب المقدس بأنه معصوم. آباء الكنيسة لم يعرفوا شيئاً اسمه عصمة الكتاب المقدس. فما هى قصة العصمة إذن؟

قبل أن نفصل الحديث عن العصمة من منظور تاريخى و النظريات التى نشأت حولها، يجب أن نعرف أن هناك ثلاث مصطلحات تُترجم فى العربية إلى "العصمة"، و هى:

· المُصطلح الأول Inerrancy: و يعنى حرفياً "عدم الخطأ". هذا المصطلح يُشير إلى أن الكتاب المقدس معصوم عن الخطأ التاريخى، الخطأ العلمى، و الخطأ فى اى معلومة دنيوية بشكل عام.
· المصطلح الثانى Infallibility: و يعنى حرفياً "عدم السقوط". و يُقصد بهذا المصطلح أن الكتاب المقدس معصوم فيما يقدمه من تعليم، فكل تعليم فيه حقيقى، مثل التعليم عن حقيقة الأرواح النجسة.
· المصطلح الثالث Preservation: و يعنى حرفياً "الحفظ". و المقصود من هذا المصطلح، أن نص الكتاب المقدس معصوم من الضياع، التغيير، التبديل...إلخ، و أن العناية الإلهية قد حفظت النص فى كل العصور و الأزمنة.

هذه الثلاث مصطلحات تُترجم فى العربية إلى العصمة، لكن كل منهم عقيدة مختلفة عن الأخرى. ما يجب أن ننتبه له بشدة، أن ولا واحدة منهم مرتبطة بالأخرى، أو أن احدهم متعلقة بالأخرى أو تُبنى عليها.

رغم أن الكتاب المقدس لم يعلم بعصمة محتواه ابداً ولا فى أى نص، فإن العصمة باتت اليوم أحد ثوابت لاهوت الكتاب المقدس. السبب فى ذلك هو أنها عقيدة تترتب على عقيدة الوحى اللفظى التام. سنأخذ الآن كل عقيدة منهم على حدة و نناقشها بنوع من التفصيل.

العصمة التاريخية Inerrancy

هذه العقيدة هى الأكثر جدالاً فى الغرب، خاصةً بين المجتمع الإنجيلى و المجتمع الليبرالى. لكن هذا لا يعنى أن العصمة التاريخية شرط ضرورى لإنجيلية الفرد، بل هى شرط ثانوى يُمكن التنازل عنه. الفكرة الرئيسية تكمن فى المنطق التالى: إذا كان لدينا نص ما فى العهد الجديد أو القديم، و بحسب ظاهره يحتوى على خطأ واضح، و لكن بحسب باطنه قد لا يكون خطأ، فقد أصبح أمامنا احتمالين: خطأ النص، أو صحة النص. على أى أساس سنختار؟ لنأخذ مثال: حينما يقول يسوع أن حبة الخردل هى أصغر جميع البذور التى على الأرض (مر 4 : 31)، فهذا النص بحسب ظاهره خطأ، لأن حبة الخردل ليست أصغر جميع البذور. و لكن هناك احتمال آخر أن النص يقصد أصغر البذور الموجودة على أرض اليهودية فقط. إذن فهذا النص بحسب باطنه صحيحاً. المشكلة حول العصمة التاريخية تكمن فى أى تفسير هو الصحيح؟ هل التفسير الصحيح للنص أنه خطأ، أم أن التفسير الصحيح للنص أنه صحيح؟ الاحتمالين واردين، و لكن أيهما هو الحقيقى؟

هنا يكمن الصراع، بين علماء التفسير Exegesis، و العلماء الليبراليين. على أى أساس يمكن تحديد ما الذى كان يفكر فيه المؤلف؟ هذا هو السؤال الرئيسى فى منهجيات التفسير، و هو علم كبير جداً من الصعب أن أقوم بعمل و لو مسح بسيط له هنا، فعلم التفسير يحتل الجزء الأكبر من علوم النقد الكتابى على الإطلاق. لكن هناك بعض الآليات التى تتحكم فى علم التفسير، من بينها عقيدة العصمة التاريخية التى تترتب على الوحى اللفظى التام.

الوحى اللفظى التام يعنى أن المُنتج النهائى هو كلمة الله حتى أصغر ألفاظه، و سواء كان هذا بشكل إملائى أو لا، فالمنتج النهائى واحد. و لأن الله كامل، فلا يُمكن أن يصدر خطأ عنه، و بالتالى لا يُمكن أن يكون هناك خطأ فى الكتاب المقدس من أى نوع. لهذا السبب، يختار المؤمن بوحى الكتاب المقدس لفظياً و تاماً، الخيار الذى ينفى الخطأ عن الكاتب، لأن عقيدة الوحى اللفظى التام يترتب عليها عقيدة العصمة عن الخطأ التاريخى.

هناك بعض الملاحظات التى يجب أن ندركها:

· أن السبيل الوحيد لمعرفة قصد الكاتب الحقيقى هو إعلان الروح القدس للقارىء، أثناء قراءته للنص. غير هذا فإن علم التفسير لا يُقدم ضماناً مُطلقاً حول معنى النص، لأن كافة الاحتمالات واردة.
· يجب تطبيق المنهج العلمى أثناء تفسير النصوص، و ذلك بوضع كافة الاحتمالات الممكنة و التفاسير التى تحتمل الصحة، و من ثم عمل تقييم شامل لها، ثم اختيار أفضل تفسير ممكن للنص. و فى هذا فإن منهجيات علم التفسير مفيدة جداً للقارىء.
· الشرط العلمى الأول فى التقييم بين الاحتمالات الممكنة، هو مراعاة البيئة التى خرج منها هذا النص. لذلك يشدد علماء التفسير، على أن النص يجب أن يُنظر له بمعايير عصره، لا بمعايير عصر آخر.
· لا يجب النظر إلى ظاهر النص على أنه الاحتمال الأقوى إذا ما وُجِدت عدة احتمالات، لأن ظاهر النص لا يعنى أنه المقصود، خاصةً فى كتاب مثل الكتاب المقدس، قدس أقداسه هو الرمزية و المثلية و التشبيه.
· يجب النظر بإعتبار إلى مدى كون الخطأ خطأ حقاً. فماذا لو أن النص كان يقصد بالفعل أن حبة الخردل هى أصغر البذور تماماً؟ إذا كان هذا القول تم عن قصد، فلابد أن له دافع معين علينا البحث عنه، و فى هذه الحالة لا يمكن أن نعتبره خطأ، لأن التعمد فى ذكره يعنى معرفة الكاتب بخطأه.

الملاحظة الأخيرة لا تستقيم مع نظرية الوحى اللفظى التام، إذ أن العصمة الناتجة عنها، لا تحتمل وجود أى خطأ بأى شكل و بأى هدف. و لكن الأمر مختلف تماماً مع الرؤية الموضوعية أو الرؤية الديناميكية. كما كان الوحى بحسب الرؤية الديناميكية مجاله واسع، فكذلك عصمة الكتاب المقدس بحسب هذه الرؤية، واسعة المجال. لكن الطرح الرئيسى للعصمة بحسب الرؤية الديناميكية، هو الملاحظة الأخيرة. من الممكن أن "يسمح" الله بورود الضعف البشرى فى الكتاب المقدس، لهدف منه، علينا نحن أن نتصارع معه لنعرفه. مثال شهير على ذلك الأمر، و هو ترتيب الأحداث بحسب الأناجيل. لو تكلمنا عن حدث واحد، مُكون من عدة أحداث، فلا يُمكننا أن نقول بأن هذه الأحداث حدثت فى أكثر من تسلسل واحد. لابد أن يكون هناك تسلسل واحد للأحداث، و أى تغيير فيه لن يكون حقيقياً. لكن التغيير فى تسلسل الأحداث هو سمة عامة فى الأناجيل الأربعة، و خاصةً الأناجيل الإزائية. هناك تسلسل أحداث واحد فقط، و ذلك يعنى أن أحد الأناجيل قد نقله صحيحاً، و إنجيل آخر قد غيَّر فى تسلسل هذه الأحداث. على أساس يُمكننا أن نقول أن التغيير فى هذا التسلسل هو "خطأ" رغم أنه غير حقيقى بالفعل؟ كونه غير حقيقى لا يعنى أنه خطأ، لأننا أمام احتمالين: أن البشير يكون قد غيره عن حقيقته دون إدراك، و هو فى هذه الحالة خطأ، و لكن من الممكن ايضاً أن يكون البشير قد غيره عن حقيقته عن قصد. فى هذه الحالة لا يُمكننا أن نقول أن البشير "أخطأ" لأن انعدام العفوية ينفى الخطأ، و بروز معالم التعمد فى تغيير حقيقة التسلسل، تؤكد معرفة الكاتب أن ما يكتبه هو تسلسل غير حقيقى، و بذلك تنتفى صفة الخطأ ما كتبه الكاتب. بذلك يبقى على الإنسان أن يوظف البحث العلمى، متمثلاً فى علم التفسير فى هذه الحالة، ليعرف السبب فى ذلك. و فى هذا نلاحظ أن انعدام التسلسل الحقيقى هو خطأ فى حد ذاته بمعايير عصرنا، و لكن حينما نوظف المنهج العلمى، يتبين لنا أن انعدام التسلسل الحقيقى ليس خطأ فى حد ذاته بمعايير ذلك العصر. هناك نموذج رئيسى لهذا الطرح فى توقيت لعن المسيح للتينة و تطهيره للهيكل، يمكن دراسته بشكل أوسع لفهم هذا المفهوم.

بشكل عام، العصمة التاريخية تكمن فى مدى كون الخطأ خطأ حقاً.

على الجانب الآخر، هناك أحد الجوانب اللاهوتية الهامة التى تتمركز فى أى مناقشة للعصمة: مبدأ الاستعادة Restoration. هذا مبدأ كتابى هام، و لعل المسيحية بأكملها تقوم على هذا المبدأ، فى سقوط الإنسان الأول، و كيف استعاد الله شركته مع الإنسان من جديد. الأساس الذى يقوم عليه هذا المبدأ، هو أن الله يستطيع أن يخرج من الناقص كمالاً، و من الفاسد صلاحاً. فمن الآكل يُمكِن أن يخرج أكلاً، و من الجافى يُمكن أن تخرج حلاوة...و من الناصرة يُمكن أن يخرج شيئاً صالحاً. نفس هذا المبدأ اللاهوتى يُمكن أن يُستخدم فى قضية العصمة. من الممكن أن يستخدم الله النقص البشرى، فى أن ينتج كمالاً. و من الممكن أن يستخدم الفساد البشرى، فى أن ينتج صلاحاً. هذا يعنى أن الله يُمكن أن يستخدم ورود خطأ حقيقى يُدخله الكاتب لنص الكتاب المقدس، فى أن يُنتج كمالاً و صلاحاً منه. رغم أننى لا أعتقد بحدوث الخطأ الحقيقى فى الكتاب، إلا أننى أؤمن بتفعيل هذا المبدأ فى طبيعة انتقال النص الكتابى. كما سأناقش تفصيلاً فى عقيدة الحفظ، فإننى أؤمن أن الله سمح بدخول نصوص ليست من الكتاب المقدس إليه، كى ينتج صلاحاً و كمالاً، من هذا النقص و الفساد.

و عن العصمة التاريخية، اجتمع فى نهاية السبعينات، حوالى 300 عالم فى مؤتمر دُعى "المؤتمر العالمى للعصمة الكتابية"، فى مدينة شيكاغو بالولايات المتحدة. خرج عن هذا المؤتمر بيان يشرح عصمة الكتاب المقدس عن الخطأ التاريخى و العلمى، سُمِى "بيان شيكاغو عن العصمة الكتابية". نُشِر هذا البيان لأول مرة فى مجلة الجمعية الإنجيلية اللاهوتية، ثم نُشِر كتاب حرره نورمان جايزلر بعنوان "العصمة"، ضم مقالات العلماء الذين شاركوا فى كلمات المؤتمر، و فى نهايته ملحق ببيان شيكاغو. هذا البيان فى شكله العام، يوضح ماهية العصمة التاريخية، و اليوم هو النص المعيارى للمجتمع الإنجيلى حول عقيدة العصمة.

غير أن هذا البيان ليس قانوناً للإيمان، و هناك علماء إنجيليين كثيرين لا يؤمنون ببنوده. و فى رؤيتى الشخصية، يُعتبر هذا البيان هو أفضل تحديد للعصمة الكتابية خرج فى اللاهوت التاريخى بأكمله، و أستطاع بمهارة توضيح الفروقات الدقيقة.

العصمة التعليمية Infallibility
الغالبية العظمى من المسيحيين فى كل مكان يؤمنون بالعصمة التعليمية، أى أن الكتاب المقدس معصوم فيما يعلم به من تعاليم تطبيقية و روحية. لذا لن يكون حديثى طويل فى هذه النقطة، و لكن سأتناول نقطتين رئيسيتين: تأثير انعدام العصمة التاريخية على العصمة التعليمية، و نقطة الأرواح الشريرة فى اللاهوت الإنجيلى.

اولاً، أنا لا أقول أن العصمة التاريخية غير موجودة فى الكتاب المقدس، بل أؤمن بها بحسب الرؤية الديناميكية. و لكن ما أريد أن أعالجه هو كيف يُمكن للفرد أن يثق فى التعليم التطبيقى، إذا كان لا يؤمن بالعصمة التاريخية. هذه النقطة فى غاية الخطورة، لأنها تخلط بين النص و جوهر فكر النص و رسالة النص. لقد أكدت طوال هذه الدراسة أن رسالة النص إلهية خالصة، و هى هدف الله من البداية لكى يُوجد كتاب مقدس. هذه الرسالة هى نفس الرسالة التى تصل للقارىء سواء كان فكر النص يحمل ما يُمكن أن يتصوره القارىء على أنه خطأ، حقيقةً كان أو غير حقيقةً، و هى نفس الرسالة التى تصل للقارىء إذا كان لا يعتقد أن هناك خطأ فى النص. لنأخذ مثال تطبيقى على هذه النقطة، و هو نفس النص محل النزاع الذى تناولته، حول حبة الخردل.

يقول الرب يسوع:"وَقَالَ: «بِمَاذَا نُشَبِّهُ مَلَكُوتَ اللَّهِ أَوْ بِأَيِّ مَثَلٍ نُمَثِّلُهُ؟ مِثْلُ حَبَّةِ خَرْدَلٍ مَتَى زُرِعَتْ فِي الأَرْضِ فَهِيَ أَصْغَرُ جَمِيعِ الْبُزُورِ الَّتِي عَلَى الأَرْضِ. وَلَكِنْ مَتَى زُرِعَتْ تَطْلُعُ وَتَصِيرُ أَكْبَرَ جَمِيعِ الْبُقُولِ وَتَصْنَعُ أَغْصَاناً كَبِيرَةً حَتَّى تَسْتَطِيعَ طُيُورُ السَّمَاءِ أَنْ تَتَآوَى تَحْتَ ظِلِّهَا»" (مر 4 : 30 – 32).

فلنفترض أن هذا النص يحوى خطأ علمى، و هو أن حبة الخردل ليست هى أصغر البذور. لكن الحديث الخاص بالمثل، هو جوهر فكر النص، أما رسالة النص فهى طبيعة ملكوت الله. ملكوت الله الذى قد يكون مجرد شرارة بسيطة جداً تلتهب فى قلب إنسان واحد، و لكن لأنها حركة إلهية منبعثة من الله، تستطيع احتواء الكل، حتى الأمم. سواء كان النص يقصد أن البذرة أصغر بذور الأرض فعلاً (و هو الأمر الغير حقيقى علمياً)، أو كان للنص معنى آخر مثل أن الحبة تبدو متناهية الصغر فى يدى الفلاح البسيط (و هو الأمر الحقيقى عملياً)، فإن كل هذه الأمور متعلقة بفكر النص، و لكن رسالة النص هى هى، سواء كان فكر النص يضم خطأ علمى أو لا يضم.

الفرع الثانى لهذه المشكلة، هو ضمان ما إذا كان الكتاب المقدس يضم رسالة إلهية حقاً أم لا. هذا الإعتراض له شكل أوسع، و هو ما إذا كان الكتاب المقدس هو وحى الله أم لا، و سأناقشه فى نهاية هذه الدراسة، لكن فى إيجاز أقول: مدى كون وحى الكتاب المقدس حقيقى أم لا، فهذه حقيقة غير خاضعة للاختبار البشرى. إذا ما جاء إلى شخص يسألنى ما هو دليلك على أن الكتاب المقدس هو وحى من الله حقاً، لا أقول له سوى كلمة واحدة: اقرأه. أما عن الأدلة النظرية على وحى الكتاب المقدس، فأنا لا أملكها.

سواء كان هناك تناقضات فى الكتاب المقدس أم لا، و سواء كان هناك أخطاء تاريخية و علمية فى الكتاب المقدس أم لا، فهذا لا علاقة له بخطة الله لخلاص الإنسان. الرسالة الإلهية التى أرسلها الله للبشر واحدة، سواء قرأنا الكتاب المقدس على أنه معصوم عن الخطأ التاريخى و العلمى، أو كان به أخطاء تاريخية و علمية. و فى ذلك، فرسالة النص لم تُمَس.

هنا يجب أن ننتبه إلى أن العصمة عن الخطأ التعليمى لا تمتد إلى العقيدة، و لكن التعليم. بمعنى أن العقيدة هى حقيقة، غير قابلة لتطبيق العصمة عليها أو لا. و لكن ما يُقصد بالتعليم هو الصوم، الصلاة، المواهب...إلخ، أى التعليم التطبيقى فقط، و ليس العقيدة.

النقطة الثانية التى أريد مناقشتها هى مفهوم الأرواح النجسة فى ضوء العصمة التعليمية. هناك قطاع كبير بين الإنجيليين اليوم، يرفض فكرة أن الأرواح النجسة التى يتكلم عنها الكتاب المقدس، هى فى حقيقتها أرواح نجسة أو شياطين حقاً، و إنما يمكن تفسيرها على أنها ظاهرة طبية، أستطاع الطب الحديث تحديدها، و هو مرض الصرع. هذه النقطة ليست فى الغرب فقط، بل إمتدت للكنيسة الإنجيلية فى الشرق، و أصبحت قاعدة معروفة فى الكنيسة الإنجيلية فى مصر. منذ وقت قريب كنت فى أحد الكنائس الإنجيلية و كنت فى نقاش مع القس الراعى لها، و وجدته مؤمناً بنفس الفكرة.

لست بصدد تفنيد هذا الفكر، و لكن بيان أن حتى عدم إيمان الفرد بالعصمة عن الخطأ التعليمى، لا يعنى سقوط وحى الكتاب المقدس. دعونى أفترض أنها لم تكن أرواح نجسة حقاً، فيكون لدينا احتمالين: أن كتبة الأسفار لم يدركوا هذا و مع ذلك كتبوا، أو أن كتبة الأسفار أدركوا هذا و مع ذلك كتبوا. عادةً لا يُفهم هذا على أنه سقوط للعصمة التاريخية أو العصمة التعليمية، لأن المنادين بهذا الرأى، يؤكدون أن الله استخدم هذا الخطأ لينتج صلاحاً، مشددين على أن علامات التعمد بارزة، مما ينفى عن الكتبة خطأهم العفوى، فتنتفى صفة الخطأ.

الحفظ Preservation

تحدثت كثيراً سابقاً عن عقيدة الحفظ فى كتابات كثيرة، لذا فسيكون كلامى هنا مُختصراً و حول نقاط بسيطة جديدة فقط.

هذه العقيدة لا يؤمن بها إلا الأصوليين فقط، و حتى الإنجيليين المؤمنين بعقيدة الوحى اللفظى التام، لا يعتقدون بوجوب ترتب عقيدة الحفظ عليها. عقيدة الحفظ بشكل عام، هى الاعتقاد بضرورة وجود النص كما هو محفوظاً للمسيحيين فى كل العصور. و هذه العقيدة لها تأثير سلبى جداً، خاصةً إذا كانت الفرضية التى ينطلق منها الباحث فى النقد النصى.

لم يعلم الكتاب المقدس بضرورة حفظ نصه ابداً، و لكن هذه العقيدة تخرج من رؤية لاهوتية لا من رؤية كتابية. هذه الرؤية اللاهوتية تقول بأنه إذا كان الله قد قام بوحى هذا الكتاب، و أن المنتج النهائى يُعَد وحياً حتى أصغر كلماته، فلابد على الله أن يحفظ هذا الوحى لكل المسيحيين فى كل العصور، و إلا فلما قام بالوحى من البداية؟ المشكلة الرئيسية هى أن هذه الرؤية لا تحاول البحث عما أعلنه الله، بل تفرض على الله ما يجب عليه. و هنا يجب التفريق بين ضرورة العصمة التاريخية، و ضرورة الحفظ. بحسب نظرية الوحى النظرى التام، فإن كل كلمة فى الكتاب المقدس هى وحى من الله، حتى و إن كان هذا بشكل يختلف عن الإملاء، و لأن الله كامل فلا يُمكن أن يخرج منه نقص. لذلك يستحيل علينا أن نجد فى الكتاب المقدس خطأ تاريخى أو علمى، و لهذا فعقيدة العصمة التاريخية و العلمية واجبة الترتب على نظرية الوحى اللفظى التام. لكن على العكس من ذلك، فنظرية الحفظ لا علاقة لها بكمال الله، لأن عدم حفظ النص لا يؤثر فى كمال الله ولا يؤدى إلى الاعتقاد بنقص فيه.

فإذا انعدم السبب النقلى للعقيدة، و انعدم السبب العقلى للعقيدة، لا يعود هناك أى سبب للاعتقاد بضرورة حفظ نص الكتاب المقدس. بالإضافة إلى ذلك، فالدليل يُشير إلى أن هذه العقيدة لا وجود تاريخى حقيقى لها. يوجد آلاف الاختلافات بين مخطوطات الكتاب المقدس، مما يعنى أن عقيدة الحفظ لها وجود عملى لها، مما ينفى وجودها النظرى ايضاً. حتى الآباء الذين آمنوا بعدم احتواء الكتاب المقدس على أية أخطاء، لا نرى فى كتاباتهم أى أثر لوجود شىء اسمه عقيدة حفظ نص الكتاب المقدس.

فى الحقيقة، أحد التفاسير الخاصة بالرؤية الديناميكية، تؤكد أن النصوص التى دخلت للكتاب المقدس عبر تاريخ انتقاله، سمح الله بها لأجل هدف معين. الأساس لهذا التفسير، هو أن كل حدث يتم بسماح من الله، و هذا السماح يكون لهدف معين. لذلك يشدد هذا التفسير على أن هذه النصوص التى دخلت للكتاب المقدس و هى ليست منه فى أصله، استخدمها الله لينتج براً و كمالاً و صلاحاً. هذا الفساد النصى، استخدمه الله ليكون سبباً فى معرفة الإنسان له. أنا أؤمن بهذه الحقيقة تماماً، و لمستها بيدى و رأيتها بعينى.

إجمالاً، الكتاب المقدس لا يقول أن هناك شىء اسمه عقيدة الحفظ، و المنطق لا يُجبر الفرد على الإيمان بعقيدة الحفظ كنتيجة للوحى الفعلى التام، و بالطبع لا حاجة لها مُطلقاً فى الرؤية الديناميكية، و ايضاً الدليل يُشير إلى أن هذه العقيدة ليست حقيقية واقعياً. لهذه الأسباب لا يؤمن أحد بعقيدة الحفظ إلا الأصوليين فقط.

العقيدة
إن العقيدة المسيحية هى الحقيقة فى حياة المؤمن المسيحى، و ليست قابلة إطلاقاً أن تكون محل نقاش حول عصمتها من عدمها، لأنها حقيقة فعلية. هذا يعنى أننا لا نستطيع أن نقول أن لاهوت المسيح عقيدة معصومة. هذه جملة ليس لها معنى، لأن العقيدة هى أساس الإيمان، ولا مجال للتشكيك بها، و إلا فلو ثبت بطلانها فهذا يعنى لا وجود للإيمان. أنا لا أقول أننا لا يجب أن نفحص الدليل الكتابى حول كل عقيدة، و لكن أتحدث بشكل نظرى حول إمكانية عصمة العقيدة أم لا. لذلك لا يوجد أى نظرية تُعلِم بأن العقيدة نفسها معصومة عن الخطأ، لأنه لا مجال للاختلاف على حقيقة العقيدة.

إيمانى الشخصى فى الكتاب المقدس
هذه الدراسة كانت فى أغلبها عرض لما توصل له العلماء الإنجيليين فى الغرب عن ماهية الوحى الكتابى و عصمته، و لم أتطرق إلى إيمانى الشخصى فيها إلا نادراً، بهدف تحديد النظريات كاملة لك، حتى تستطيع تكوين رؤيتك الشخصية عن الوحى الكتابى. أما إيمانى الشخصى فى الكتاب المقدس، فهو كالتالى:

أنا أؤمن أن الكتاب المقدس هو وحى الله للإنسان، و دونه رجال الله القديسين، و أصبح يُعرف بالكتاب المقدس. هذا الوحى وحدة واحدة متكاملة، غير قابلة للتجزئة على نصوص الكتاب المقدس، سواء أسفاره او إصحاحاته أو أعداده، بل هو شحنة واحدة تسير و تجرى فى كافة نصوص الكتاب المقدس. أؤمن بالرؤية الديناميكية بشكل عام، حول كيفية إتمام الوحى، لأنى أراها الأكثر تجاوباً مع نتائج الاستقراء، لكن هذا لا يعنى قبول كل النظريات و التفسيرات التى تقدمها هذه الرؤية. و أؤمن أن الكتاب المقدس معصوم عن الخطأ التاريخى و العلمى، و معصوم عن الخطأ التعليمى. لا أؤمن أن نص الكتاب المقدس معصوم من ناحية حفظه، رغم أن النص محفوظ بالفعل فى الشواهد المتوفرة، و ذلك فى العهد الجديد مجال اختصاصى. أؤمن أن الكتاب المقدس هو السلطة الأولى فى حياة المؤمن المسيحى، رغم أننى أؤمن بسلطة التقليد الرسولى الذى يجرى فى الكنيسة.

خاتمة: البرهان و الإيمان
إيمانى الشخصى نابع من دراسة البرهان الكتابى، و البرهان المنطقى، و البرهان التاريخى. قضية الكتاب المقدس فى نظر أى مؤمن حقيقى، يجب أن تكون قضية ثانوية، ولا علاقة لها بالإيمان. كما شرحت فى بداية هذه الدراسة، أساس الإيمان هو الاختبار الروحى. إذا كنت لم أعرف شيئاً عن المسيح بعد، و لم أختبره، و لم أتقابل معه، و لم يصير بعد شخص حقيقى موجود فى حياتى مثل كل فرد حقيقى فى حياتى، فلا داعى لأن أهتم بوحى الكتاب و عصمة الكتاب و النقد الكتابى و العقيدة و كل هذه الأمور. لا فرق بينى و بين المسلم و اليهودى و الملحد و البوذى و عابد الوثن فى نظر الله. لأن وحى الكتاب المقدس و عصمته ليس هو ما سيخلص الإنسان. إذا أردت أن أضمن مكانى فى ملكوت السماوات، فالطريق الوحيد هو الإيمان الحى، ليس الإيمان النظرى.

الشفاء الحقيقى لداء البشرية فى قيامة الرب يسوع المسيح من الموت، لأن هذه القيامة هى بداية خلاصنا و حريتنا. لن ينفعنى وحى ولا عصمة ولا نص، و كل هذه الأمور النظرية لا قيمة لها ابداً، إن لم أنل الميلاد الثانى الحقيقى. فى لحظة بدأت بحثى العلمى فى الكتاب المقدس، و بعد سنوات إنتهى بحثى. كنت أبحث عن المسيح فى هذه النظريات كثيراً، و فى لحظة أخرى وثقت أن إيمانى فى المسيح صحيح. سألت نفسى: و ماذا بعد؟ لم أشعر بأن كل هذا البحث له أى قيمة! كان صوت والدى يرن فى أذنى دائماً: لن تجد المسيح هنا. بعد صراع روحى مرير مع الله، قبلته فى حياتى فى رأس السنة منذ ثمانية شهور. أدركت فى ذلك الوقت أن العلم لن يخلص الإنسان. لو أننى تيقنت مئة فى المئة أن الكتاب المقدس هو كتاب الله، و لم أتخذ أى خطوة إيجابية من جانبى، فهذا كله لن يفيد ابداً. سأكون أمام الله مثل أى شخص غير مسيحى، لأن المسيحى هو المؤمن الحى، و ليس المؤمن النظرى. هذه سمة المسيحية بين كل العقائد و الأنظمة الدينية: الحياة لا النظرية. لأن النظرية هى الموت، و الإيمان هو الحياة. الإنسان المسيحى ليس مُطالب أن يكون لديه رؤية تفصيلية للوحى لكى يؤمن، ولا أن يفهمه بأكمله لكى يؤمن. الإيمان هو خطوة إيجابية نحو المسيح، و هو حرية من كل قيود الموت.

لست تحتاج إلى أن تتيقن من أن هذا الكتاب ليس به خطأ حتى تؤمن، و حتى لو كان به خطأ، فهذا ليس عائقاً أمام الإيمان. رسالة الله للإنسان واضحة جداً، مهما كانت النظريات و مهما كانت الفرضيات و مهما كان شكل الاعتقاد فى الكتاب المقدس. حتى لو كنت تؤمن أن هذا الكتاب على حاله الآن محرف، ستجد نفس الرسالة التى يقدمها الله، مهما أدعيت كافة أشكال و أنواع التحريف. سواء كان خطأ نسخى، خطأ تاريخى، خطأ علمى، او لا خطأ إطلاقاً، ستجد نفس الرسالة التى يقدمها فكر النص واحدة.

هذه الدراسة كانت ملخص دراساتى و ابحاثى فى عقيدتى الوحى و العصمة، بحث استمر لأكثر من ثلاث سنوات. عقيدتى فى الوحى و العصمة جاءت نتيجة دراسة متفحصة شاملة لأغلب الأدب الإنجيلى فى هذا المجال. عليك أنت أيضاً أن تبحث و تجتهد قبل أن تتخذ قراراً بشأن اعتقادك فى الكتاب المقدس، و عليك أن تتعب كى تنال. هذه هى ضريبة الحقيقة التى عليك أن تدفعها لتنالها.

لندع البرهان هو الذى يشكل عقائدنا. لنترك البرهان الكتابى يتحدث عن نفسه، و من ثم نتصارع مع الله حتى ننتصر عليه. الله هو الذى يدعونا أن ننتصر عليه فى هذا الصراع، و نقول له كما قال يعقوب أب الآباء:"لا اطْلِقُكَ انْ لَمْ تُبَارِكْنِي" (تك 32 : 26). و بالفعل، باركه الله، و غير اسمه من يعقوب إلى إسرائيل:"لا يُدْعَى اسْمُكَ فِي مَا بَعْدُ يَعْقُوبَ بَلْ اسْرَائِيلَ لانَّكَ جَاهَدْتَ مَعَ اللهِ وَالنَّاسِ وَقَدِرْتَ" (ع 28). لقد "قدر" يعقوب، و نحن أيضاً مدعوون لأن نقدر. الإيمان المسيحى لا يسير عكس البرهان، و الشك ليس خطيئة. حينما شك توما أن يسوع قد ظهر للتلاميذ، ظهر له مرة أخرى و أعطاه يديه ليتحسس مكان المسامير، و جنبه لينظر طعنة الحربة. لم ينتهره يسوع و لم يغضب، بل دعاه بكل رفق أن يأتى و ينظر البرهان بنفسه، و يفحصه، و إلا يكون غير مؤمناً..بل مؤمناً.

لا داعى أن نكون متعصبين لما نعتنقه و نجهض الآخر حقه. فى نهاية عام 1983، تم فصل العالم ستانلى جوندرى من الجمعية الإنجيلية اللاهوتية، بعد أن قام أعضاء الجمعية بالتصويت حول ما إذا كان جندرى يستحق أن يكون عضواً فى الجمعية. و اليوم، ستانلى جوندرى هو من أكبر علماء العهد الجديد الإنجيليين المؤمنين بعصمة الكتاب المقدس. لا أتمنى أن يكون بيننا جندرى آخر، بل أصلى للرب أن يحفظ الكنيسة و يرعاها و يفتح أعيننا و عقولنا لنستوعب الآخر.

المراجع الرئيسية



Ben Witherington III, The Living Word of God: Rethinking The Theology of The Bible, Baylor University Press 2007

Craig D. Allert, A High View of Scripture? The Authority of The Bible & The Formation of The new Testament Canon, Baker Academic: Baker Publishing Co. 2007

Donald Guthrie, New Testament Theology, Chapter ten 'Scripture', InterVarsity Press 1981, Pp. 953 – 982

Donald G. Bloesch, Essentials of Evangelical Theology, Vol. one (God, Authority & Salvation), Cahpter four 'The Primacy of Scripture', Fitzhenry & Whiteside: Canada 1978, Pp. 51 – 87

G. K. Beale, The Erosion of Inerrancy In Evangelicalism: Responding To New Challenges To Biblical Authority, CrossWay Books 2008

Harriet A. Harris, Fundamentalism and Evangelicals, Oxford University Press 2008

I. Howard Marshall, Biblical Inspiration, Hodder and Stoughton 1982

Kern Robert Trembath, Evangelical Theories of Biblical Inspiration: A Review & Proposal, Oxford University Press 1987

Norman L. Geisler (ed.), Biblical Errancy: An Analysis of Its Philosophical Roots, Zondervan Publishing House 1981

Normal L. Geisler (ed.), Inerrancy, Zondervan Publishing House 1980

Trevor A. Hart (ed.), The Dictionary of Historical Theology, Eerdmans: USA 2000

السبت، 25 يوليو، 2009

حساب القراءات



القراءة النصية هى الإختلاف حول نص معين بين مخطوطة معينة و أى مخطوطة أخرى. لو أن مخطوطة معينة تقرأ نص معين فى العهد الجديد، و هناك مخطوطة أخرى تقرأ نفس النص و لكن بشكل مختلف، فهذه هى القراءة النصية. لم يوجد أى شخص قادراً على إحصاء عدد القراءات النصية، لأن هذا يتطلب عمل فحوصات نصية Collations لجميع مخطوطات العهد الجديد. بالإضافة إلى ذلك، فعدد مخطوطات العهد الجديد اليونانى، أكثر من 5700 مخطوطة اليوم. و هناك حوالى عشرين ألف مخطوطة للترجمات، و أكثر من مليون اقتباس فى كتابات الآباء. هذا العدد الكبير جداً من الوثائق، هو المشكلة أمام إحصاء عدد القراءات. هناك اليوم حوالى ثلاثين ناقد نصى فى العالم بأكمله، متخصصين فى النقد النصى. بالطبع هناك علماء آخرين لهم صلة بالنقد النصى، لكن لا يُطلق عليهم نُقاد نص. هذا العدد القليل يحول دون إمكانية فحص القراءات بشكل كامل، و تعيين عددها. لكن هناك ثلاثة أعمال نستطيع منها تحديد متوسط لعدد القراءات فى شواهد النص.

العمل الأول

فى منتصف الخمسينات بدأ مشروع العهد الجديد اليونانى العالمى، الذى يُختصر إلى IGNTP. هذا المشروع عبارة عن لجنتين، واحدة أميركية و الاخرى بريطانية. هذه اللجان تعمل على إصدار نص نقدى للعهد الجديد، و تعليق نصى شامل و متكامل، يشمل كل شواهد نص العهد الجديد، خاصةً اليونانية. صدر عن هذا المشروع إنجيل لوقا فى مجلدين، و انجيل يوحنا فى ثلاثة مجلدات. إنجيل لوقا تم تقسيمه على مجلدين، أما انجيل يوحنا فقد تم تقسميه على ثلاثة مجلدات، بحسب نص المخطوطات المُستخدم. فلدينا الجزء الأول عبارة عن إنجيل يوحنا من نص البرديات، و الجزء الثانى عن نص إنجيل يوحنا من مخطوطات الحروف الكبيرة، و الجزء الثالث هو نص إنجيل يوحنا من مخطوطات الحروف الكبيرة (تم إصدار هذا المجلد بناء على طلب الكنيسة الأرثوذكسية اليونانية). صدر كذلك عن المشروع عدة إصدارات أخرى للنص بحسب الترجمات. فى المجلد الخاص بإنجيل لوقا نجد آداة نصية كاملة للنص فى كافة الشواهد المتوفرة. و فى المجلد الأول لإنجيل يوحنا نجد الآداة النصية تضم الشواهد البردية كاملةً، و فى المجلد الثانى نجد الآداة النصية تضم مخطوطات الحروف الكبيرة كاملةً، و فى المجلد الثالث نجدها تضم غالبية مخطوطات الحروف الصغيرة.


(إصدار نص البرديات لإنجيل يوحنا)


العمل الثانى

فى عام 1997، نُشِر المجلد الأول من عمل ضخم جداً بدأه معهد البحث النصى فى العهد الجديد، الذى انشأه كرت آلاند فى مدينة مونستر بألمانيا. هذا العمل هو "الإصدار النقدى الرئيسى" Editio Critica Major. صدر من هذا العمل ثلاثة أجزاء، الجزء الأول هو رسالة يعقوب، الجزء الثانى هو رسالتى بطرس، و الجزء الثالث هو رسالة يوحنا الأولى. هذا المشروع الضخم، رغم أنه لم يعد هدفه تعيين النص الأصلى، و إنما النص الأولى، فقد أدى مهمة كبيرة جداً، إذا أنه وضع آداة نصية كاملة و شاملة تضم كافة الشواهد.

(نص رسالة يعقوب من الإصدار النقدى الرئيسى)

العمل الثالث

هو رسالة الدكتوراه التى قام بها تومى ووسرمان Tommy Wasserman التى قدمها فى جامعة لوند، و هو عالم سويدى، و عميد معهد أوربيرو اللاهوتى فى السويد. هذا العالم قام بعمل فحص نصى شامل لكافة الشواهد اليونانية لرسالة يهوذا. نُشِرت رسالته فى كتاب "رسالة يهوذا: نصها و انتقالها".




هذه الأعمال الثلاثة ساعدت على تصور عدد القراءات الموجودة فى شواهد العهد الجديد اليونانية. و من خلال هذه الأعمال، أجمع العلماء على أن نص العهد الجديد فى شواهده، يحتوى على نحو 400 ألف قراءة. قد يزيد التقدير و قد يقل، و لكن هذا هو أنسب رقم.

طريقة حساب القراءة، ليست كما هو معروف. هناك طريقة خاطئة انتشرت بشكل كبير جداً، و هى أن الخطأ الواحد إذا ورد فى الف مخطوطة، فإنه يُحسب ألف خطأ. هذه المعلومة خاطئة، فطريقة حساب القراءات هى أن كل قراءة و كل خطأ نسخى، لو ورد فى مخطوطة واحدة، يُحتسب قراءة. لو ورد فى ألف مخطوطة، يُحتسب قراءة واحدة ايضاً.

لكن و كما أكد والاس كثيراً، هذا الرقم تافه جداً بالنسبة للاحتماليات. لكى نستطيع تحديد هل الرقم كبير أو صغير، فعلينا أن نضع معيار نقيس به. هذا المعيار هو الإحتمالات الممكنة. فلو أن الاحتمالات يجب أن تكون بالملايين، فوجود نصف مليون قراءة يبدو رقماً صغيراً جداً.

الأربعاء، 22 يوليو، 2009

تصحيح معلومة


فى موضوع سابق عن التنقيح الحدسى، أشرت إلى أنه لا يوجد شواهد تثبت سن أخزيا الملك 22 عام فى نص اخبار الأيام الثانى 22 : 2. أعتذر عن هذا الخطأ، فهو إن كان صحيحاً أنه لا يوجد شواهد عبرية لهذا الرقم، فوجدت ان البشيتا (ترجمة سيريانية رئيسية) تثبت السن 22 عام فى هذا النص، بحسب ما صرح به مجموعة كبيرة جداً من العلماء اليهود، فى كتاب:


The Jewish Study Bible, P. 1798


فأعتذر عن هذا الخطأ غير المقصود..

الثلاثاء، 21 يوليو، 2009

مشكلة ايرمان!


أخيراً، توصلت إلى مشكلة ايرمان! لا أعرف كيف تاهت عنى كل هذه السنين و هى أمامى واضحة وضوح الشمس. لى ثلاث سنوات و انا اقرأ كتب بارت ايرمان، لأفهم فكره جيداً، و أستطيع تحديد ما هى المشكلة بالضبط مع كون الكتاب المقدس وحى إلهى رغم أننا نجد قراءات مختلفة لأسباب مختلفة فى شواهده. بحثت فى عدة اتجاهات: ضياع النص الأصلى من الشواهد المتوفرة، التغييرات لهدف لاهوتى، مفهوم النص الأصلى...إلخ من مشاكل النقد النصى و تحدياته. لكن ما إكتشفته خلال بحثى أنه ولا مشكلة من هذه المشكلات تمثل العقبة الرئيسية مع ايرمان. كنت موقناً فى داخلى أن كل هذه المشكلات لا تمثل أى خطر على إيمان أى باحث فى النقد النصى، فما بالنا بعالم من أكبر علماء العالم فى النقد النصى!

بدأت فى قراءة سوء اقتباس يسوع Misquoting Jesus للمرة الرابعة، خاصةً المقدمة التى تأملت كل فقرة فيها مرات عديدة. فى نفس الوقت، كان لدىّ استعجاب من مدى الثقل الذى يحمله ايرمان على عدد القراءات و الاختلافات. و أخيراً وجدتها! مشكلة ايرمان هى فى وجود القراءات نفسها؛ فهى ليست فى نوعيتها أو كميتها، إنما فى وجود الاختلاف نفسه، حتى لو كان اختلافاً واحداً. الآن أصبحت أفهم تصريحه جيداً:"استدللت قائلاً: حقيقة أننا لا نمتلك الكلمات (الأصلية)، تُشير بالتأكيد إلى أنه لم يحفظهم لنا. و إذا كان (الله) لم يقم بهذه المعجزة (أى حفظ الكلمات)، فيبدو أنه لا يوجد سبب للاعتقاد بأنه قام المعجزة الأولى: وحى هذه الكلمات" (ص 11). هذا السؤال الخطير، الذى سأله ايرمان كان دائماً أمام عينىّ، ليس لكى أجيب عليه، بل لكى أفهمه:"كنت دائم العودة إلى سؤالى الأساسى: كيف يُمكن أن يساعدنا أن نقول ان الكتاب المقدس هو كلمة الله المعصومة إذا كنا فى الحقيقة لا نمتلك الكلمات التى أوحى بها الله معصومةً، و لكن بدلاً منها الكلمات التى نسخها النُساخ، بعض الأوقات بشكل صحيح، و بعض الأوقات (مرات كثيرة!) بشكل خاطىء؟" (ص 7).

الآن فقط فهمت المشكلة. هى ليست مشكلة نصية ولا علاقة لها بعلم النقد النصى. بل هى مشكلة لاهوتية من الدرجة الأولى، حول مفهوم الكتاب المقدس، و مفهوم وحيه، و مفهوم عصمته، و مفهوم حفظه. دراسة مخطوطات العهد الجديد لم تكشف له سوى بعض الأدلة، و التى توصل بها إلى قناعته الحالية. لكن الحمل الأكبر و الأثقل يقع على عاتق لاهوت الكتاب المقدس. بالمناسبة، هذه الجملة "لاهوت الكتاب المقدس"، لا وجود لها فى عقيدة الكنيسة فى ضوء اللاهوت التاريخى. و لكن مناقشة ماهية الكتاب المقدس أصبحت لازمة فى هذا العصر، حيث أصبح الطريق إلى الله يخضع لمعايير الإنسان و العلوم الإنسانية، مما يترتب عليه إدعاء الإنسان انه قادر على الوصول إلى الله، و انعدام الاحتجاج الرئيسى للمسيحية: أن الله هو الذى كشف عن نفسه للإنسان.

لقد كشف عن عينىّ هذه المشكلة، العالم مايكل ج. كروجر، عميد المعهد اللاهوتى الإصلاحى بشمال كارولينا، فى مراجعته لكتاب ايرمان. يمكن تلخيص طرح كروجر فى خاتمة مراجعته، حيث قال:

"تلخيصاً لما قلناه، سوء اقتباس يسوع عبارة عن نظرة ممتعة لعلم النقد النصى بعين إنجيلى سابق إقتنع أنك لا تستطيع أن يكون لديك قراءات نصية و فى نفس الوقت كتاب مقدس سلطوى. و هذا يبدو صلب الموضوع بالنسبة لايرمان. أعتقد أنه ليس كمية القراءات هى المشكلة (رغم أنها جزء منها بالفعل)، بل وجود أى قراءة تماماً. يوضح ايرمان فى الخاتمة:"إذا كان (الله) يريد الناس حقاً أن يمتلكوا كلمته، فكان عليه بالتأكيد أن يحفظ هذه الكلمات بشكل إعجازى، تماماً كما أوحى بهم إعجازياً أولاً" (ص 211). بكلمات أخرى، إذا كان الله قد أوحى بالعهد الجديد حقاً، فلا يجب أن يكون هناك أى قراءات نصية على الإطلاق. هذا هو الإقرار الصادم من ايرمان الذى يكشف المشكلة الجوهرية فى سوء اقتباس يسوع. ايرمان يبنى على تعريف الوحى الذى حدده بنفسه و هو الأمر الذى يعنى أنه معيار إستبدادى و غير منطقى، لا يمكن الإلتقاء معه فى أى نقطة. هل يتطلب الوحى حقاً أنه بمجرد ان تمت كتابة كتب الكتاب المقدس، أن الله عليه أن يضمن بشكل إعجازى أنه لا أحد إطلاقاً سيكتبه بشكل خاطىء؟ هل يجب علينا أن نؤمن بأن الوحى يتطلب أنه لا يوجد أى رجل ناضج، ولا طفل، ولا ناسخ، ولا عالم، ولا أى شخص، يمكن أن يكتب أى نص من الكتاب المقدس و يسقط كلمة منه بطول التاريخ البشرى بأكمله؟ أم أن ايرمان قد حرًّم على الله أن يعطى وحياً للبشر حتى يخترع جوتنبرج الطباعة؟ مع ذلك، فحتى هذه بها أخطاء ايضاً. هل كان ايرمان سيكون راضياً إذا كان العهد الجديد قد نزل من السماء على ألواح ذهبية و ليس عن طريق مراحل تاريخية عادية؟ أعتقد انه كان سيبدى إعتراضه قائلاً أن العهد الجديد لا يحمل علامات المصداقية التاريخية. يبدو واضحاً أن ايرمان بحث وثائق العهد الجديد و هو لديه قناعة مسبقة أن الوحى يعنى إنعدام وجود القراءات النسخية، و هو المعيار الذى يستحيل أن نجده فى العالم التاريخى الواقعى فى القرن الأول. مما يدعو للسخرية، أنه رغم أن ايرمان يدعى حرصه على التاريخ الواقعى، فإن نظرته الخاصة للوحى، بحسب تعريفه، يمنع العهد الجديد من أن يكون من الله و فى نفس الوقت ذو صلة بالتاريخ الحقيقى. لهذا لا نستعجب من خاتمة كتاب ايرمان، أن العهد الجديد لا يمكن أن يكون مُوحى به. بل علينا أن نستعجب إذا كان هناك أى خاتمة أخرى ممكنة بهذا الشكل للوحى"
[1].

كل هذا لا يعنى سوى شيئاً واحداً: أن ايرمان حدد ما هو الوحى، و كيف يجب أن يكون، و ما هى معايير تحديده، ثم قام بتطبيقها على العهد الجديد. كان من ضمن هذه المعايير ألا يوجد شىء إسمه قراءات نصية على الإطلاق فى العهد الجديد، و لكن يوجد بشواهد العهد الجديد آلاف القراءات؛ لهذا لا يمكن أن يكون العهد الجديد مُوحى به من الله.

هذا المنهج هو فرض ما الذى يجب على الله أن يقوم به. لا يُمكن لأى إنسان أن يحدد ما الذى يجب على الله أن يقوم به، لأنه لا يُوجد من يعرف الله و من يعرف فكره و من يعرف عمق حكمته. بل إن هناك قطاعاً كبيراً من المسيحيين فى العالم، لم يكن ليؤمن أن الكتاب المقدس هو كلمة الله لولا أن هذه القراءات موجودة، و أنا واحد من هؤلاء. بهذا، الكتاب يضع نفسه بنفسه تحت طائلة النقد التاريخى. بهذا نستطيع فحص مصداقية الكتاب، فيما يقرره من أحداث و فعاليات و تصريحات.

أخيراً، عرفت مشكلة ايرمان. أعرف أن البعض سيعتقد أننى ساذج لأننى لم أفهم المشكلة طيلة هذا الوقت، لكن ربما كان قول الفنانة فانيسا ويليامز صحيحاً، أنه احياناً الشىء ذاته الذى تبحث عنه، قد يكون هو الوحيد الذى لا تراه!

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1]Michael J. Kruger, Review of Misquoting Jesus: The Story Behind Who Changed The Bible And Why, By Bart D. Ehrman, Journal Of The Evangelical Theological Society, Vol 49, No. 2, P. 391

الأحد، 19 يوليو، 2009

معقولية الإيمان


نقدم لك أيها القارىء العزيز، هذه الدراسة بعنوان:"الإيمان المسيحى: هل هو معقول؟". هذه الدراسة هى عبارة عن مجموعة محاضرات مُستمدة من العالم نورمان جايزلر رئيس المعهد الإنجيلى اللاهوتى الجنوبى، بشمال كارولينا. تتناول هذه الدراسة عدة موضوعات، مثل: مفهوم الحقيقة، وجود الله، موثوقية العهد الجديد، لاهوت المسيح و غيرهم. قام بالإعداد و البحث و الترجمة الخادم الأمين Free Thinker_1، و نتمنى أن نرى الكثير من الخدام الأمناء على كلمة الرب، فليعوضه الرب تعب محبته و غيرته المقدسة.

للتحميل من هنا Word، أو من هنا Pdf.

الجمعة، 17 يوليو، 2009

ويجنر حول بعد الحداثة


فى بحث سابق، التحريف و العصمة فى ضوء النقد النصى – الجزء الثانى، تناولت النقد بعد الحديث، أو بعد العصرى Postmodern و تأثيره على هدف علم النقد النصى للعهد الجديد. و فى هذا الموضوع سأضع طرح العالم بول ويجنر، أستاذ الكتاب المقدس بمعهد مودى الكتابى، رداً على ما فكر ما بعد الحداثة فى النقد النصى كما ورد فى كتابه:


Paul D. Wegner, A Student's Guide To Textual Criticism Of The Bible: Its History, Methods, And Results, IVP Press: USA 2006, P. 37-39


"الهدف التقليدى للنقد النصى للعهد الجديد، إعادة تكوين نص المخطوطات الأصلية، قد تم التشكيك فيه بواسطة بعض العلماء المحدثين. هل كان هناك عدة إصدارات من بعض كتب العهد الجديد؟ أول هل كتب بولس عدة نسخ من بعض رسائله؟ إلدون جاى إيب وضع أدلته التى يعتقد أنها تشير إلى وجود عدة أشكال لكتب العهد الجديد (يُسمى هذا "الكفاءات المتعددة" للنصوص الأصلية): (1) أناجيلنا الحالية إستخدمت مصادر سابقة عليها أو نُسخ قبل مرحلة التقنين، (2) البعض قد إقترح أن سفر الأعمال وصل إلينا فى تيارين نصيين مختلفين، و (3) الذكصولوجية فى رومية 16 : 25 - 27 تُوجد فى بعض المخطوطات فى رومية 14 : 23، مما دعا بعض العلماء للإعتقاد بأن هذه الرسالة قد يكون لها شكل أقصر و آخر أطول. لكن سواء كان هذا الدليل كافى لإفتراض أشكال متعددة للنص الكتابى، فهو أمر مشكوك به، و يبدو أنها مثل محاولات الصيد غير المتناهية لهذه المصادر المُقترحة، تماماً كما كان الحال مع نقد المصدر فى التوراة.

بارت ايرمان يأخذ منحى آخر مختلف قليلاً و يقترح أنه حينما يقوم ناسخ من عصر قديم بتغيير النص ليُوجِد رؤية أرثوذكسية لاهوتية أوضح، فإنه بذلك يخلق نص أصلى جديد. لكن هذا يثير عدة تساؤلات: ماذا سيحدث لو أن هذا النص المُغير الجديد أصبح مقبول لدى الكنيسة كالنص صاحب السلطة الأكثر؟ هل هذا يعنى أن النص الآخر (الأصلى الذى كتبه المؤلف) قد فُقِد تماماً ماعدا كقراءة أخرى للنص؟ هل لدينا نصين أصليين؟ ايرمان يضع رؤية ملائمة و لكننا لدينا أدلة قليلة جداً لصالح أن الكنيسة الأولى كانت تحاول حماية موافقها اللاهوتية بدلاً من المحافظة على نص دقيق. هناك فى الحقيقة مثال قريب إلى حد ما فى 1 تيموثاوس 3 : 16، حيث أن الكلمة اليونانية ὅς و التى تعنى "هو، أو الذى" قد تغيرت إلى θεός "الله"، مما جعل النص أكثر قوة لاهوتياً. غير أن منقحى النص اليونانى لجمعيات الكتاب المقدس المتحدة يقترحون أن هذه القراءة اللاهوتية الأقوى هى قراءة متأخرة، معتمدين فى ذلك على الدليل المخطوطى على الأقل. ايرمان و آخرين يقترحون أن هذه التغييرات تمت فى وقت قديم جداً فى إنتقال النص. لكن و بينما أنه من الصعب معرفة ما الذى حدث فى المائة سنة الأولى من تاريخ إنتقال النص، فالأدلة المقنعة لهذه التغييرات قليلة جداً. فالكنيسة الأولى أولت عناية كبيرة لمراقبة اللاهوت الخاطىء و نصوصهم المقدسة (كمثال، سجالاتهم مع الغنوصيين، الدوسيتيين، و ماركيون). لكى نفهم مدى السلطة و التوقير اللذين احتازت عليهما هذه الكلمات المقدسة، نحتاج أن ننظر لبعض الإقتباسات من كتابات آباء الكنيسة الأولى. كمثال، كليمندس الرومانى كتب فى رسالته إلى الكورنثوسيين (حوالى 95 م.):"أنظروا إلى رسالة بولس الرسول المبارك" (1 كليمندس 47 : 1)، و هو ما يتضمن أنهم إمتلكوا رسالة سلطوية من بولس.

علماء آخرين قد شككوا فى مدى دقة عملية إنتقال النص فى القرن الأول فى الكنيسة. هيلموت كويستر يقول:"إن أى دليل متوفر يُبين أنه كانت هناك مراجعات جوهرية و ليس مجرد ثانوية للنصوص الأصلية، وقعت فى المائة سنة الأولى من إنتقال النص". بل إن البعض يحتج إلى أن النص لا يجب رؤيته كنص أصلى ثابت و لكن "تيار متحرك" أو "نص حى". بكل تأكيد هذه الآراء هى مغالاة للقضية، بينما الرؤية التقليدية لديها الكثير لتبت نفسها. و بينما توجد تساؤلات على السطح حول النص الأصلى فى بعض الأماكن، فإن الحجم الجوهرى لنص العهد الجديد باقى دون شك فيه و من المرجح جداً أنه يمثل نص المخطوطات الأصلية أو نص قريب جداً منه. و بينما كان كُتًّاب كتب العهد الجديد المقدسة مازالوا أحياء، فمن غير المرجح أن يقوم البعض بتغيير كتاباتهم بينما لا يُشير المؤلفين إلى هذه التناقضات فى النص. بعض الأحيان كان بولس يطلب أن يتم نشر رسائله للكنائس الاخرى (كو 4 : 16)، و لهذا فلابد أن هناك نُسخ أُخِذت عن المخطوطات الأصلية سريعاً؛ و هذا يعنى أنه من غير المرجح أن يقوم الآخرين بتعديل النص دون أن يكون هناك أى آثار موجودة للنص الأصلى. ايضاً كان للكنيسة الأولى توقير كبير لهذه الأعمال (2 تى 3 : 16؛ 2 بط 1 : 20 - 21) و لمؤلفينهم (2 بط 3 : 15 - 16)، لهذا من المشكوك به جداً أنهم سيغيروا كتاباتهم (أنظر ايضاً رؤ 22 : 18 - 19)".