الأحد، 28 يونيو، 2009

التنقيح الحدسى


أشعر بإرتفاع ضغط الدم دائماً حينما أسمع لفظ "التنقيح الحدسى"، رغم أننى أعانى من إنخفاضه دائماً! لكن لابد من الفصل بين المشاعر و الدليل. التنقيح الحدسى هو إختيار قراءة لوضعها فى نص العهد الجديد، دون أن يكون لها أى شاهد فى التقليد النصى الكامل. بكلمات أخرى، أن يضع مُحرر الطبعة قراءة يستنتجها هو بنفسه عبر بعض القرائن و الدلائل الخارجية و الداخلية، و لكن هذه القراءة غير موجودة فى أى مخطوطة ولا فى أى ترجمة ولا عند أحد من الآباء. هذا يعنى بلغة القارىء البسيط، أن هناك من النص ما فُقِد ولا نعرف إليه سبيلاً الآن، و أننا نقوم بتحرير هذا النص عن طريق الحدس، أى التخمين.

قبل أن نناقش التنقيح الحدسى، لابد لنا من الفصل بين العقيدة و الدليل. فى مجتمعنا الشرقى، عقيدة حفظ النص هى ذاتها عقيدة عصمة النص. فإصطلاح "الحفظ" هو مفهوم إسلامى بحت. هذا الإصطلاح يعنى أنه إذا كان الله قد قام بوحى كتاب ما، فعليه – شاء أو أبى – ان يحفظ هذا النص للبشر فى كل العصور، واحداً كما هو دون أن يتغير حرفاً واحداً. و إذا تغير هذا النص حرفاً واحداً فى أى عصر من العصور، أو أن حرفاً واحداً فُقِد من النص فى عصر من العصور، فهذا هو التحريف ذاته. لذلك إذا كان هناك مجال للتنقيح الحدسى فى النص، فهذا يعنى أنه مُحرف. أو – على الأقل – هذا ما نسمعه و نقرأه.

فى الإتجاه المقابل، يحاول المدافعين المسيحيين إثبات أنه لا مجال للتنقيح الحدسى فى نص الكتاب المقدس. أنا شخصياً دافعت عن انعدام وجود التنقيح الحدسى فى نص العهد الجديد. فى الإصدارات النقدية للعهد الجديد، يوجد مكانين بهما تنقيحاً حدسياً. واحد فى سفر الأعمال و يتضمن مشكلة تاريخية و منطقية، و آخر فى سفر الرؤيا و يتضمن خطأ نسخى فى تهجئة لفظ بشكل خاطىء. لكن عملياً، هناك جدال حول مدى ضرورة التنقيح الحدسى فى نص الأعمال، و يرفضه غالبية العلماء. و التنقيح الحدسى الثانى لا أهمية له. لكن إذا قلت أنه لا يوجد حاجة للتنقيح الحدسى فى نص العهد الجديد، فهذا لا يعنى سوى أن هذا هو الدليل فقط، ولا يعنى ضرورة الإيمان بعقيدة الحفظ. أنا لا اؤمن أن الله قد حفظ نص الكتاب المقدس كما هو دون أن يُفقَد منه حرفاً لجميع البشر فى كل العصور، منذ أن تمت كتابة كل الأسفار. و رغم أنه لا يوجد حاجة، على الأقل حالياً، للتنقيح الحدسى حول نص العهد الجديد، فأعتقد أن موقف مايكل هولمز بإحتمالية ورود التنقيح الحدسى لنص العهد الجديد هو موقف متزن و عقلانى. بالإضافة إلى ذلك، فهناك نُقاد لنص العهد الجديد، وضعوا الكثير من التنقيحات الحدسية، حتى لو لا يوجد لها أثر الآن فى النص النقدى. رغم ذلك، فعبر صفحات الإصدار النقدى نيستل – آلاند 27، ستجد التنقيحات الحدسية الأشهر التى وضعها النُقاد عبر تاريخ علم النقد النصى، فى الآداة النصية. لم أُحصيهم بنفسى، و لكن أتذكر أننى قرأت لجان كرانس يقول بأنهم حوالى 500 تنقيح (لست متذكر الرقم بالضبط)، تم ذكره فى الآداة النصية لنص نيستل آلاند 27.

على الجانب الآخر، يوجد بالفعل تنقيح حدسى فى نص العهد القديم. فى الإصدارات النقدية للعهد القديم، هناك أكثر من مكان فى التقليد النصى للعهد القديم، لا يتوفر فى أى منهم القراءة الأصلية. أنا لست متخصصاً فى نقد العهد القديم ولا قارىء متعمق له، و حتى رؤيتى لوحى العهد القديم تختلف بشكل جزرى عن العهد الجديد. و لكن هذه هى البيانات المتوفرة فى الإصدارات النقدية للعهد الجديد، خاصةً BHS. هناك عدة بيانات تاريخية موجودة فى أسفار العهد القديم، تُشير إلى فقدان أسفار الشريعة بالكامل من عند الشعب؛ ثم عادت للوجود مرة أخرى فى عصر آخر (مثلما حدث فى قصة إكتشاف حلقيا للأسفار فى عهد الملك يوشيا فى 2 مل 22). هناك مثال شهير نادراً ما ننتبه إلى دلالته، و هو عمر أخزيا حينما ملك. غالبية المدافعين يؤكدون على أن عمر أخزيا بحسب وروده فى نص 2 أخ 22 : 2 (42 سنة)، هو خطأ من الناسخ، و أن العمر الصحيح هو الذى ورد فى 2 مل 8 : 26 (22 سنة). حسناً، هل توجد أى شواهد فى التقليد النصى تثبت السن 22 فى نص أخبار الأيام؟ لا.

بالإضافة إلى ذلك، فلا يوجد معايير معينة لتحديد وقت اللجوء إلى التنقيح الحدسى. مثلاً، متى يُمكننا الحكم بأن جميع القراءات المتوفرة فاسدة ولا تصلح أحدهم لتكون القراءة الأصلية؟ غالباً ما يسير اللجوء إلى التنقيح الحدسى بجانب عصمة النص. لابد أن يكون النص معصوماً عن أى خطأ تاريخى أو علمى، فإذا كانت جميع القراءات تُقدِم معلومات خاطئة، يلجأ الناقد النصى إلى الإعتماد على فساد جميع القراءات. لكن المنهج العلمى يقتضى طرح إحتمالين آخرين: أن المؤلف نفسه صاحب الخطأ التاريخى أو العلمى، أو أن الناقد لم يستطع فهم القراءات بأفضل شكل ممكن. أنا لا أقول بهذا أن الكتاب المقدس غير معصوم عن الخطأ التاريخى أو العلمى، لكن أطرح فقط المنهجية شبه العامة لدى نُقاد النص الذين يُوجهون بحثهم.

إذا قال الكتاب المقدس بحفظ نصه حتى أدنى الحروف، فالدليل الذى يُشِير إلى العكس، يُثبِت كذب هذا الإدعاء. لكن لو لم يقل الكتاب المقدس بحفظ نصه حتى أدنى الحروف، فلا يعود هناك إدعاء يُمكن إثباته أو نفيه. هناك عدة نصوص تُستخدم لإثبات صفة "الحفظ" إلى الكتاب المقدس. و رغم أننى اقرأ نفس النصوص فى كتابى المقدس، فلا أراها تُشير إلى حفظ. أشهر هذه النصوص هى قول الرب يسوع:"السماء و الأرض تزولان، و لكن كلامى لا يزول" (مت 24 : 35، مر 13 : 31، لو 21 : 33). رغم أن هذا النص يُشير إلى نبوات المسيح عن علامات آخر الزمان؛ و قد جاء كتأكيد لكلام الرب عما أخبر عن حدوثه فى المستقبل.

الكتاب المقدس لم يُنادى بعقيدة حفظ النص، و الدليل يُشير إلى أن هناك فى نص الكتاب المقدس، ما وضعه المُحررون و النقاد من تخمينهم و ليس من التقليد النصى المتوفر. و بالتالى لا أرى أى سبب للإعتقاد بضرورة حفظ نص الكتاب المقدس حتى أدنى حروفه فى كل العصور. دعونا نفحص ما الذى أعلنه الله عن نفسه، بدلاً من أن نضع معايير لله، و نخمن ما الذى كان يجب عليه أن يفعله.

لكن، و لئلا يُفهم كلامى بشكل خاطىء، فالتنقيح الحدسى مجاله محدود فى العهد القديم، ولا يؤثر فى شىء عقيدى. فمثلاً، هل هناك أى عقيدة كتابية ستتأثر، أو حتى أى نبوة عن المسيح، لو أننا لا نعرف كم كان عمر شاول حينما ملك (1 صم 13 : 1)؟ جميع أماكن ورود التنقيح الحدسى على هذه الشاكلة؛ لا علاقة لها باللاهوت أو العقيدة. لا داعى إذن لمخالفة الدليل أو تعديه، و لندع الدليل هو الذى يشكل عقائدنا.

أخيراً، المسيح هو مركز الإيمان، و ليس الكتاب المقدس. كانت هذه هى عقيدة الآباء، مركزية المسيح فى كل طرق فهمنا لكل تفاصيل الإيمان المسيحى. و هذه هى أحد ثوابت الكريستولوجى المعروفة بـ Christocentric. الكتاب المقدس ليس إلا وسيلة، من ضمن عدة وسائل، لنعرف الأخبار السارة التى تمت أحداثها فى فلسطين منذ ألفى عام!

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

فضلاً، لا تسمح لمستواك الخلقى بالتدنى!