الاثنين، 28 ديسمبر، 2009

فيربروج مع القراء


الإخوة الأحباء قراء المدونة. فى هذا الشهر قمت بعمل حوار مع العالم فيرلين د. فيربروج، الذى يعرفه الكثيرين منكم من خلال قاموسه الضخم "القاموس الموسوعى للعهد الجديد". نُشِر هذا الحوار على المدونة (أنظر هنا)، و جاءت أسئلة من بعض الإخوة المباركين. و نظراً لأن الأسئلة إستهلكت وقتاً فى الإجابة، حيث أراد فيربروج أن تخرج الإجابات فى أفضل صورة ممكنة، أنشر هنا هذه الأسئلة مع الإجابات التى قدمها فيربروج. نصلى أن يبارك الرب فى موهبته العظيمة، حتى يستمر فى العطاء العلمى و محبته الغزيرة.

1- ماذا تعتقد حول القراءات الموجودة فى مخطوطات العهد الجديد؟

صحيح أنه هناك قراءات كثيرة فى مخطوطات العهد الجديد، و لكن هناك عد ملاحظات يجب أن تُؤخذ فى الإعتبار:

أولاً: أن وجود القراءات أمر طبيعى جداً بسبب حقيقة أن البشر حينما ينسخون أى شىء باليد، فإن هناك أخطاء تحدث. الناسخ قد يكون مُرهقاً ولا يرى الكلمات بشكل صحيح، أو المخطوطة التى ينقل عنها خطها سىء، أو أن العين قد تتخطى سطر و تنتقل لسطر آخر، خاصةً إذا كانت الكلمات الأخيرة فى كليهما واحدة. و فى بعض الأحيان تُنسخ الكلمات بشكل إستهجائى مختلف فى أماكن مختلف. مثال معاصر لذلك الفرق بين كلمة "لون" فى اللهجة الأمريكية Color و فى اللهجة البريطانية Colour. كل هذه الأشياء تُعتبر قراءات.

ثانياً: أنظر لهذه بإعتبار: لا يوجد عقيدة واحدة مركزية فى الكتاب المقدس تستند على قراءة مختلفة. الغالبية العظمى من هذه القراءات ثانوية جداً حتى أنهم لا يؤثرون فى معنى النص، و بكل تأكيد لا يوجد عقيدة مسيحية مركزية مأخوذة عن قراءة موجودة فى مخطوطة واحدة فقط. العقائد المركزية للنصوص المقدسة مبنية على الكثير من المقاطع الكتابية.

ثالثاً: عن طريق آليات المنهج العلمى الخاص بالنقد النصى، فإن القراءة الأصلية التى كتبها المؤلفين الكتابيين يمكن تحديدها بما أستطيع أن أسميه دقة عالية تبلغ 99 %. و النص اليونانى للعهد الجديد الذى نشرته جمعيات الكتاب المقدس المتحدة يقبله كل العلماء المحافظين، الليبراللين، و حتى الكلاسيكيين.

رابعاً: ملاحظة أخرى يجب الإنتباه لها، هى أن كل كاتب من العالم القديم لدينا أكثر من مخطوطة لكتاباته سوف يُوجد به قراءات أكثر. فى حالات كثيرة، هناك مخطوطات قليلة متوفرة. لكن العهد الجديد له أكثر من 5000 مخطوطة متوفرة، و كلما زادت المخطوطات المتوفرة، كلما زادت القراءات لدينا، و لكن أيضاً ستزيد الثقة بأننا لدينا ما كتبه المؤلف الأصلى.

غالبية الناس لا يشككون فى الكتابات الأصلية لأفلاطون أو آريستوفانيس مثلاً، فلماذا يشككون إذن فى تماسك الكتاب المقدس قائلين أشياء مثل "لا يمكنك أن تثق فى الكتاب المقدس". أنا شخصياً أعتقد أن هناك سببين لذلك:

السبب الأول: أنهم لا يريدون أن يؤمنوا بالكتاب المقدس، و لهذا يقولون:"لا يوجد لدينا المخطوطات الأصلية". و بهذه الطريقة يتخيلون أنهم لا يجب عليهم الإيمان بكتابات الكتاب المقدس.
السبب الثانى: حينما يشككون فى دقة الكتاب المقدس، فإن الصحافة تهتم بهم على نطاق شعبى، و هم يحبون هذا الإنتباه الشعبى الذى يتلقونه.

لاحظ أن أولئك الذين يقومون بالعمل الصعب جداً للوصول إلى القراءات الأصلية، لا يحاورهم أى صحفى أبداً؛ فإن عملهم بالنسبة لهم ممل جداً! إننا عن طريقة الدراسة و العمل الشاق، نستطيع أن نكون واثقين بنسبة أعلى من 99 % أن الكلمات التى نقرأها فى الكتاب المقدس كانت هى الكلمات التى كتبها فعلاً متى، مرقس، لوقا، يوحنا، بولس و آخرين. و لهذا أنا اؤمن أن هذه الكلمات هى كلمات الله التى أرسلها لى.

2- كثيرين آخرين إستخدموا "ايجو ايمى" فى الكتاب المقدس، فهل يجب أن نعتقد أنهم يدعون الإلوهية؟

أنا اعرف بالفعل أنك ستجد كُتّاب آخرين فى الكتاب المقدس تكلموا عن نفسهم و إستخدموا ايجو ايمى. مثلاً، بطرس يقول فى أع 10 : 21 حينما جاء إليه بعض الزوار و قرعوا على بابه:"انا هو (ايجو ايمى) الذى تبحثون عنه". و لكنك ستلاحظ أن بطرس أضاف شىء ما بعد ايجو ايمى، و هو قوله "الذى تبحثون عنه". و لكننى لا أعرف أى شخص فى العهد الجديد يقول عن نفسه هكذا بكل بساطة كما قال يسوع فى يو 8 : 58:"ايجو ايمى"، هكذا فى صياغة مطلقة دون أن يضيف أى شىء آخر. و هذا مهم لأن يسوع يطبق على نفسه نفس التعبير الذى استخدمه الرب الإله فى خر 3 : 14 و لا يضيف شىء آخر بعده. فقط يسوع يقول "ايجو ايمى" بشكلها المُطلق!

3- البعض يستخدم كو 1 : 15 و رؤ 3 : 14 ليستدلوا على أن الكتاب المقدس يعترف بأن يسوع هو مجرد مخلوق خلقه الله. هل يمكن أن تشرح لنا هذين النصين لغوياً؟

بالنسبة لرؤيا 3 : 14، فإن الكلمة اليونانية المُستخدمة هنا هى "آرشى". هذه الكلمة تعنى "بداية" و لكنها أيضاً تعنى أيضاً "المتسلط". سياق النص هو الذى يحدد أى معنى هو الأفضل. ترجمة كينج جيمس تقرأ "بداية خليقة الله"، و لكن الترجمة الدولية الحديثة تقرأ "المتسلط على خليقة الله". و لأن سفر الرؤيا يصور يسوع جالساً على العرش فى أماكن كثيرة، فإن المعنى "المتسلط" هو الأفضل، فلا يوجد سوى القليل جداً فى سفر الرؤيا عن عقيدة الخلق. الآن أنا أعرف أن الترجمة المنقحة القياسية الجديدة تقرأ "أصل خليقة الله". و لكن هذا المعنى يتفق أيضاً، لأن كما يوحنا يقول فى يو 1 : 2 - 3، الكلمة كان فى البدء مع الله، و كل شىء خُلِق به. و هذه الترجمة تجعل من المسيح أزلياً مع الآب، موجوداً قبل أن تبدأ الخليقة حتى.

أما نص كولوسى 1 : 15 فيتكلم عن يسوع بقوله "بكر كل الخليقة". هذا يعنى أن يسوع مجرد مخلوق، صحيح أنه أول الخليقة التى صنعها الله، و لكنه مخلوق فى النهاية. و لكننا نحتاج أن ننظر حول معنى الكلمة "بكر" فى الكتاب المقدس. الكلمة المُستخدمة هنا فى العهد الجديد اليونانى هى "بروتوتوكوس". هذه الكلمة فى العهد القديم تُستخدم غالباً ليس للتعبير عن ترتيب ولادة شخص ما، إنما لكى تشير إلى العلاقة الخاصة لشخص ما بينه و بين الله. فى خر 4 : 22 مثلاً، يخبر الله موسى ليذهب لفرعون و يتكلم معه قائلاً:"اسرائيل هو ابنى البكر". و هذا يعنى أنه يوجد علاقة حب بين الله و اسرائيل؛ لا يوجد أى معنى أبداً لترتيب فى الولادة (و لو كان له أى معنى بهذا الشكل، فإن الاسرائيليين هم أولاد يعقوب، الذى هو اسرائيل نفسه، و لذا فيجب أن يُسمى شعب اسرائيل "الأبناء الثانيين فى الولادة"، و لكن الله يقول عنهم "البكر"). و فى مز 89 : 27 يتكلم الله عن داود و يقول عنه:"سوف أجعله ابنى البكر، أكثر الملوك سمواً فى ملوك الأرض". و مرة أخرى، لا نجد أى معنى يشير لترتيب فى الولادة. ففى الحقيقة، كان داود هو أصغر عضو فى عائلته. معنى كلمة "البكر" هنا هو أنه له مسئولية خاصة و ورث من الله. فى ثقافة العالم القديم، كان البكر بحسب ترتيب الولادة يأخذ نصيب إثنين فى الورث. إذن، فحينما يتكلم نص كولوسى 1 : 15 عن يسوع بكونه "بكر كل الخليقة"، فإنه يعنى أن الله قد إختار يسوع كوسيطه الخاص ليتسلط فوق الخليقة، تماماً كما داود مُختاراً ليتسلط على اسرائيل؛ إن النص لا يقول أى شىء أبداً عن يسوع كمخلوق. و هذا ما يؤكده أيضاً بقية الجملة، حيث يكتب بولس:"له خُلِقت كل الأشياء...كل الأشياء خُلِقت بواسطته و له. هو قبل كل الأشياء، و فيه يقوم الكل معاً". بكلمات أخرى، يسوع جالس على العرش كحاكم العالم. و بالمناسبة، هل إنتبهت لجملة:"هو قبل كل الأشياء"؟ فى هذه الجملة لديك تمييز قوى جداً للتوقيتات. قبل أن يُخلق أى شىء، كان يسوع موجوداً بالفعل.

يسوع غير مخلوق؛ و كل الأشياء خُلِقت به.

(ملاحظة من فادى: حينما كنت اترجم هذا السؤال للإنجليزية حتى يجيب عليه فيربروج، كنت أعرف أن الترجمات الحديثة تترجم نص الرؤيا Ruler of God's creation او originator of God's creation أى حاكم خليقة الله أو مصدر (أصل) خليقة الله، و نص كولوسى فى الترجمات الحديثة يقول firstborn over all creation أى البكر فوق كل الخليقة، و كلمة "فوق" تعكس نفاذ الكلمة اليونانية بروتوتوكوس. أين السؤال المطروح إذن؟ أين شبهة يسوع كمخلوق من السؤالين؟ فكرت جيداً، فأرسلت له النصوص بحسب كينج جيمس!).

4- هل كان يوحنا متأثراً بالفلسفة اليونانية و فيلو السكندرى حينما كتب عن "اللوجوس"؟

آه، هذا سؤال أستطيع أن أجيبه فى كتاب كامل! لكن سأضع بعض الأفكار فيما يلى:

بالنسبة للجزء الثانى من السؤال، أقول "لا". فيلو عاش فى الإسكندرية، و يوحنا كبر و ترعرع فى اليهودية و الجليل. منهج الإسكندرية فى تفسير النص المقدس (و هو المنهج المجازى فى فِهم النص المقدس) كان بعيداً كل البعد فى الإختلاف عن المناهج التى إستخدمها الرابيين فى اليهودية و الجليل. لو كانت كتابات يوحنا متأثرة بكتابات فيلو اليهودى، فكنا سنتوقع وجود بعض الأدلة التى تُشِير إلى المنهج المجازى فى كتابات يوحنا. و لكن لا يوجد أى دليل! يوحنا يعامل شخصيات العهد القديم على أنهم بشر حقيقيين و ليس مجرد رموز للعقل، السبب، الخطية...إلخ و هو منهج المجازيين.

أما عن الجزء الأول من السؤال: هل تأثر يوحنا بالفلسفة اليونانية حينما علمّ عن اللوجوس؟ إجابتى لهذا السؤال لها جزئين.

أولاً: حينما تنظر فى يو 1 : 1 - 18، فإن أول شىء سوف تفكر فيه هو العهد القديم. يوحنا يفتتح إنجيله قائلاً "فى البدء"، و هى نفس الطريقة التى يبدأ بها سفر التكوين. يقول يوحنا أن يسوع، الكلمة، كان موجوداً فى عملية الخلق "بغيره لم يكن شىء مما كان". و كيف خلق الله العالم؟ خلقه بكلمته! "و "قال" الله ليكن نور، فكان نور". إذن فيسوع كان الكلمة، اللوجوس، الذى إستخدمه الله لخلق الكون. أنظر لمزمور 33 : 6:"بكلمة الرب صنُعِت السماوات، و بنسمة فيه كل جنودها". لذا فحينما يتكلم يوحنا عن اللوجوس فى يو 1 : 1 - 18، فإنه يتكلم عن مفهوم يهودى جداً موجود فى العهد القديم؛ فهو يؤسس فكره على الكتاب المقدس العبرى.

بالإضافة إلى ذلك، يقول يوحنا "الكلمة صار جسداً و عاش بيننا". و هذا ليس أمر قالع أى فيلسوف يونانى أبداً. اليونانيين، خاصةً الأفلاطونيين و الأفلاطونيين الحدثاء، إعتبروا المادة شريرة أو متدنية؛ العقل، النفس، هما مكان الفكر، و هذا هو الموت عندهم. ففى الموت، الروح هربت من الجسد الذى كان يسجنها. اليونانيين لم يؤمنوا بقيامة الأموات؛ ففى النهاية بعدما هربت الروح من السجن، لما ستعود إليه مرة أخرى؟ أما المسيحية علمت بشىء مختلف جداً، أن الجسد، المادة، الجسم هى أشياء صالحة، ليست شريرة. فى الحقيقة، لقد فكر الله كثيراً حول قيمة الجسد البشرى حتى أن يسوع بعدما مات و دُفِن، أقامه الله من الموت و أعطاه جسد جديد. فيوحنا إذن يكتب كمسيحى و لم يحاول أن يجعل الإنجيل يبدو مثل الفكر اليونانى.

ثانياً: يوحنا قضى السنوات الأخيرة فى آسيا الصغر، ربما فى أفسس، حيث أحاط به مجتمع يونانى متأثر جداً بالفلسفة اليونانية. لذا فبالتأكيد كان يوحنا يعرف و هو يكتب إنجيله أن اليونانيين سيقرأونه. ففى النهاية، لقد كتب يوحنا إنجيله باليونانية! و لهذا فهو كتب عن اللوجوس، ليس ليجعل المسيحية ثقافة يونانية، و لكن ليعطى منظوراً مسيحياً لما آمن به اليونانيين و ما كانوا يتكلمون عنه. لقد كان يوحنا "يجيب" الفلسفة اليونانية، و ليس متأثراً بها. لقد تكلم يوحنا عن "اللوجوس الحقيقى"، النور الحقيقى الذى ينير حياة كل الفرد الآتى إلى العالم (يو 1 : 9). و المسيحيين مازالوا يقومون بهذا حتى اليوم. يقرأون كتابات الفلاسفة الذين لا يؤمنون بالله أو يسوع، مثل الوجوديين، الفلاسفة التحليليين، العدميين..إلخ. ثم يكتبون كتباً و يستخدمون نفس اللغة ليحاولوا إيصال الرسالة المحيية ليسوع و خلاصه العجيب فى لغة إعتاد أن يسمعها هؤلاء الناس. هذا هو ما يفعله المدافع، هو أو هى يحاولون مخاطبة الفكر الغير مسيحى فى كل جيل بحسب اللغة التى يفهمها كل جيل.

5- ما هو رأيك الشخصى حول السجال القديم عن طبيعة المسيح؟

أعتقد أنه كان أمراً محتوماً لا فرار منه أن تظهر اسئلة حول طبيعة المسيح. فكر بهذا الأمر: بمجرد أن قُبِل العهد الجديد قانونياً، أى قُبِل كإعلان الله لكنيسته، بدأ الناس يقرأون و يدرسون هذه الكتابات. هناك أشياء فى الكتاب المقدس تقول بأن يسوع كان إنساناً كاملاً: لقد أكل، و تعب (إحدى المرات كان متعباً جداً لدرجة أنه نام فى مركب خلال عاصفة مرعبة فى بحر الجليل)، و عطش، و كان لديه دماً فى عروقه. هذه هى كل صفات الكائن البشرى. و لكن كلمة الله المكتوبة تصرح أيضاً بإلوهية يسوع الكامل. تذكر ما كتبته عن يو 1 : 1 و عن ايجو ايمى فى يو 8 : 58. هناك أيضاً مقاطع أخرى فى العهد الجديد توضح أن يسوع هو الله (سوف أكتب عنهم فى سؤال لاحق). هل تستطيع أن تفهم كيف يمكن لشخص أن يكون 100 % إنسان و فى نفس الوقت 100 % الله؟ و فى نفس الوقت هو ليس كائنين مختلفين؟ أنا لا أستطيع أن أفهم ذلك. حينما لا يفهم المفكرين شىء ما، يحاولون فهمه بأى طريقة. و فى تاريخ الكنيسة، خرجوا بأجوبة مختلفة. البعض أكد على إنسانية يسوع و قالوا أن اللاهوت عاش بداخله لسنوات قليلة. البعض الآخر ركز على إلوهية يسوع و قالوا أنه "ظهر" فقط على أنه له جسد. البعض الآخر أراد أن يقسم طبيعتى المسيح بفصلهما، بينما أراد آخرون أن يمزجوهما معاً. و هكذا بدأت المناظرات للوصول إلى كيفية فِهم الرسالة الكاملة للعهد الجديد. و أنا أعتقد أن هذه المناظرات كانت مفيدة، لأن أخيراً و بعد بعض القرون، تم تطوير إجماع مُتفق عليه: يسوع هو 100 % الله و 100 % إنسان و نحن يجب أن نقبل بهذا السر العظيم. بعض الناس مازالوا لا يقبلون بذلك. المورمون كمثال، لا يؤمنون أن يسوع 100 % الله. و لكن بالنسبة لى، لا أجد مانعاً من أن أقول أننا لدينا هنا سر لا أستطيع أن أفهمه بكامله. ففى النهاية لو إستطعت أن أفهم الله، فسوف أكون أعظم منه، و أنا لست كذلك. و هذه هى رؤيتى حول السجال القديم حول طبيعتى المسيح.

6- بصفتك واحد من أكبر خبراء العالم فى اللغة اليونانية، هل يمكنك أن تخبرنا عن بعض النصوص التى تكلمت عن إلوهية يسوع بوضوح؟

أشرت قبلاً إلى بعض النصوص فى الحوار الرئيسى، و أعتقد أن نصوص مثل يو 1 : 1 و يو 8 : 58 (و هو أوضح نص عن ايجو ايمى) تعلم بأن يسوع هو الله. و لكن هناك مقاطع أخرى فى العهد الجديد تعلم بذلك أيضاً. تذكر حينما وقف لوقا أمام يسوع بعدما قام من الموت و قال:"ربى و إلهى" (يو 20 : 28). و قد بارك يسوع توما لأنه إعترف به هكذا. إسم "الرب" هام بشكل خاص، و يسوع دُعِى بالرب كثيراً فى العهد الجديد. مثلاً، حينما تقابل بولس مع يسوع فى الضوء اللامع القادم من السماء فى طريقه إلى دمشق، قال بولس:"من أنت يا رب؟". لقد عرف أن صوت يأتى من السماء لن يكون سوى صوت يهوه. الآن لاحظ أن الترجمة اليونانية للعهد القديم إستخدمت كلمة "كيريوس" للإسم الإلهى "يهوه" و هذا هو نفس ما فعله بولس حينما خاطب يسوع. فى الحقيقة، يقول بولس فى الرسالة إلى الرومانيين أنك لو أردت أن تخلص فعليك أن تعترف بفمك أن يسوع هو رب، أى أن يسوع هو يهوه، و تؤمن من كل قلبك أن الله أقامه من الموت. إن أقدم إعترافات الايمان المسيحية كانت بكل بساطة "يسوع هو رب" (أنظر أيضاً أع 10 : 36؛ 1 كو 12 : 3؛ فى 2 : 11 و كو 2 : 6).

و فى سفر الرؤيا، يتكلم يسوع مع يوحنا، الشخص الذى يتلقى الرؤى، و قد أُخبِر أن يعطى رسائل لسبعة كنائس فى آسيا. يستخدم يسوع ألقاب عديدة ليصف نفسه، مثل:"هذه هى كلماته، الأول و الآخر" (رؤ 2 : 8). هذا هو بالضبط ما قاله الله يهوه عن نفسه فى سفر اشعياء:"هذا هو ما يقوله الرب، ملك اسرائيل و مخلصها، الرب القدير: أنا هو الأول و أنا هو الآخر، و غيرى لا يوجد إله" (اش 44 : 6؛ اش 48 : 12). لا يوجد وسيلة للتهرب من هذه الرسالة حول ما يقوله يسوع عن نفسه هنا: هو الله و هو الرب.

ثم أنظر أيضاً لما يقوله بولس عن يسوع فى تيطس 2 : 13، حينما يتكلم عن "الظهور المجيد لإلهنا العظيم و مخلصنا، يسوع المسيح". يسوع ليس مجرد مخلص فى هذا النص، إنما هو الله العظيم أيضاً. و هذا هو نفس ما يقوله بطرس فى 2 بط 1 : 1، حينما يكتب:"لأولئك الذين من خلال بشر إلهنا و مخلصنا يسوع المسيح قد قبلوا ايماناً نفيساً مثل الذى لنا". إذن، فإن كل من بولس و بطرس يقولان عن يسوع "إلهنا و مخلصنا".

أخيراً، أنظر إلى ما يقوله يسوع عن نفسه فى مقطع يُسمى "التفويض العظيم". فى هذا المقطع يُعلم تلاميذه أن يعمدوا المؤمنين الجدد "باسم الآب، و الابن، و الروح القدس" (متى 28 : 19). لاحظ أنه يوجد إسم إلهى واحد فقط، و لكن هناك ثلاثة أشخاص يحملون هذا الاسم "الله": الآب، الابن، و الروح القدس. و هذا بالمناسبة واحد من الأدلة الرئيسية على عقيدة الثالوث. هناك مقاطع أخرى، و لكن هذه المقاطع بعض أوضح المقاطع التى تعلم بإلوهية الرب يسوع المسيح، ابن الله.

7- بمقارنة التواريخ المذكورة فى العهد الجديد، خاصةً فى الأربع أناجيل (مثل ميلاد يسوع، موت هيرودس، الإحصاء) مع الأدلة التأريخية الموجودة فى أفضل المصادر الخارجية، ما هى نسبة دقة تواريخ العهد الجديد؟ هل نستطيع أن نقول آمنين أن الأدلة التأريخية تعدم تأريخات العهد الجديد؟

إجابة هذا السؤال حتى تكون كاملة تحتاج كتاب كامل، حتى نأخذ كل تاريخ منفصل و نقوم بدراسته و تحليله. و لكن دعنى ألقى بعض الأضواء على بعض الأمور الهامة:

أولاً، أريد أن أتكلم بشكل رئيسى على لوقا. لوقا كان باحث حريص. أقرأ نص لو 1 : 1 - 4، حيث يقول لوقا أنه قد فحص بدقة المصادر التى إستخدمها، و قد ذكرها بالعديدة، و و حاول أن يكتب بيان مفصل. و لاحظ أيضاً أن لوقا يضع قصته لحياة المسيح و كنيسة العهد الجديد فى سياق التاريخ العالمى (أنظر لو 2 : 1 - 2 و 3 : 1 - 4). لقد أثبت العالم و السير ويليام رامساى منذ زمن طويل أن لوقا كان مؤرخاً دقيقاً، و لكن العديد من العلماء اليوم لا يعرفون أى شىء عن عمله. لقد كان عالماً كلاسيكياً فى القمة، و قد قرر أن يختبر أعمال الرسل بالمقابلة مع التاريخ الرومانى. كان لدى الرومان أشكال متنوعة للحكومات لأنواع متعددة من المدن و المقاطعات، و كان لديهم أسماء مختلفة للحكام. بالإضافة إلى ذلك، بعض هذه المدن غيرت الأنظمة الحكومية فى القرن الأول. توصل رامساى أن فى كل حالة، إستخدم لوقا الكلمة الصحيحة لنوع المقاطعة و الإسم الصحيح للحاكم الرسمى. لم يجد أى خطأ فى بحث لوقا.

لكن هذا لا يعنى بالتأكيد أنه لا يوجد أى صعوبات. مثلاً، نحن مازلنا لا نملك تأكيداً على أن كيرينيوس كان حاكماً لسوريا فى وقت ميلاد يسوع؛ نحن نعرف بالفعل أنه كان حاكماً لسوريا و لكن بعد عشرة سنوات لاحقة. و لكن تسجيلات سوريا من هذا العصر ليست كاملة، ولا يوجد سبب يجعلنا نرفض أن كيرينيوس كان لديه فترتين كحاكم، واحدة مبكرة فى زمن ميلاد يسوع و هى الغير مُسجلة فى المصادر القديمة، و أخرى لاحقة و هى المُسجلة؛ و لكن هناك وثيقة تُدعى "حجر طيبر" Lapis Tiburtinus تقترح أن كيرينيوس كان له فترة حكم سابقة. أو أن كيرينيوس، الذى أصبح حاكماً فيما بعد، قد يكون أشرف على احصاء هيرودس قبل أن يصبح حاكماً. بكلمات أخرى، نحن لا يوجد لدينا وثائق قديمة كاملة، ولا يجب أن نتهم لوقا بالزلل، و إتهام كلمة الله بالخطأ التاريخى، فى الوقت الذى لا يوجد فيه لدينا تسجيلات "سنة بسنة" من المصادر اليونانية و الرومانية.

هناك صعوبات أيضاً فى ربط بعض التواريخ الموجودة فى أعمال الرسل للتواريخ المذكورة فى رسائل بولس عن رحلاته و تنقلاته. و لكن يجب أن تتذكر ذلك دائماً: لا بولس و لا لوقا كان هدفهما الرئيسى هو كتابة تاريخ بحسب مقاييس القرن العشرين و الواحد و العشرين، إنما كان هدفهما هو كتابة قصة يسوع و نشر الإنجيل، و هو الأمر الذى تم فى القرن الأول. لا يمكننا أن نقول أن بولس أو لوقا أخطأوا لأنهما لم يضعا حواشى footnotes يوثقان الوثائق القديمة، و هو الأمر الذى يحدث اليون و لكن لا يحدث فى القرن الأول.

فى النهاية، هناك تفسيرات معقولة لكل تاريخ فى العهد الجديد. تستطيع أن تقرأ عنهم فى "الكتاب المقدس الآركيولوجى"، الذى ذكرته فى الحوار الرئيسى، أو فى تفسيرات كتبها العلماء المؤمنين. حسناً، فادى، كانت هذه صورة عامة عن هذا السؤال. أستطيع بالتأكيد مجاوبة تاريخ مُحدد، و لكن هذا سيأخذ وقت طويل جداً للبحث فى الأناجيل اصحاح اصحاح، و تاريخ تاريخ لإجابة كل تاريخ منفصل.

8- ما هى جودة يونانية العهد الجديد؟

لا يوجد يونانية أفضل من اليونانية الكلاسيكية، و التى تكلم بها الناس و كتبوا بها فى القرنين السادس و الخامس قبل الميلاد، مثل يونانية أفلاطون، أرسطو، سقراط). فى القرنين الرابع و الثالث قبل الميلاد، قام الإسكندر المقدونى و خلفاؤه بنشر الثقافة اليونانية فى العالم القديم كله، و اليونانية أصبحت اللغة التى يتكلم بها غالبية البشر، بالإضافة إلى لغتهم الأم. و بينما يحدث ذلك، فإن لغة الناس الذين نموا و هم لا يعرفون هذه اللغة، تتغير على نحو هام، مثلما يحدث فى الإنجليزية اليوم. اليونانية لغة صعبة، و لغة ملتوية، تحب أسماء الفاعل و المفعول، الفقرات، و الجمل المُركبة، و لكن اليونانية التى تكلم بها الناس فى الإمبراطورية الرومانية فى القرون السابقة على المسيح لم تكن مُعقدة بهذا الشكل. هذه اليونانية تُسمى "اليونانية الهيلينية"، و هى اليونانية التى تكلم بها ناس مثل فيلو و يوسيفوس. بالإضافة إلى ذلك، فعلى مستوى القاعدة الشعبية، أصبحت اللغة أسهل و أبسط، و هذه تُسمى "اليونانية الكوينية"، أى اليونانية العامية. العهد الجديد كُتِب باليونانية الكوينية. بعدما قلت ذلك، يجب أن أتعجل و أقول أن بعض من مؤلفى العهد الجديد قد إستخدموا يونانية أفضل من آخرين. تظهر الإختلافات فى هل المؤلفين (أو بعض الأحيان، النُساخ) قد نموا فى مناطق تتكلم باليونانية أو الآرامية. لوقا (الذى يبدو أنه أتى من ترواس) و بولس (الذى يبدو أنه أتى من كيلكيليا) كتبوا بالكوينية جيد جداً، بل و حتى نستطيع أن نقول يونانية هيلينية. من أفضل اليونانى المُستخدم فى العهد الجديد هو الرسالة إلى العبرانيين (أى كان كاتب هذه الرسالة فيبدو أنه قد عاش فى الإسكندرية، التى كانت مركزاً للثقافة اليونانية الهيلينية فى القرن الأول). أما الأناجيل فلم تُكتب بإسلوب يونانى جيد، رغم أن فى الغالبية كُتِبت بشكل صحيح نحوياً. تستطيع أن تقول من خلال يونانية الأناجيل أن المؤلفين كانوا متأثرين بيونانية السبعينية، و هى الترجمة اليونانية للعهد القديم العبرى. و بلا شك، فإن أبسط يونانية فى العهد الجديد هى يونانية إنجيل يوحنا.

أما أسوء يونانية فى العهد الجديد هى سفر الرؤيا. مثلاً، يوحنا، كاتب السفر، أراد فى بعض الأحيان أن يجعل كلمتين، مثل إسم و صفة، يرتبطان ببعضهما البعض، و حينما تفعل ذلك فى اليونانية يجب أن تضعما فى نفس الحالة. و لكن مؤلف الرؤيا أحياناً يضعهما فى حالات مختلفة. لا أحد يعرف على وجهة الدقة السبب وراء ما نستطيع أن نسميه "أخطاء نحوية" فى سفر الرؤيا. البعض يقول أن يوحنا كان مشدوداً جداً للرؤى التى كان يتلقاها حتى أنه كان عليه أن يكتب بسرعة جداً فلم يفكر أن يجعل كل شىء صحيح نحوياً. و البعض يقول أن يوحنا كان معزولاً فى جزيرة بطمس وحده حينما كتب الرؤيا حتى أنه لكن لديه ناسخ أو مساعد يراجع اللغة، و أنا أتفق مع رأى هؤلاء العلماء.

إذن، بإختصار، هل يونانية العهد الجديد جيدة؟ الإجابة هى نعم و لا، و هذا يعتمد على الكاتب، نوعية الكتاب (سرد قصصى أم رسائل؟) و الموقف الذى يكون فيه الكاتب.

9- هل تطورت اللغة اليونانية عبر الزمان، من القرن الأول للخامس مثلاً، بما يسمح للناسخ أن يغير كلمة قديمة ليست سائدة فى عصره لكلمة أخرى بديلة لها و لكنها معاصرة له؟

لا أعتقد أننى سأكون إيجابياً نحو هذا السؤال، أن النساخ قد غيروا فى الكلمات ليستخدموا كلمات معاصرة. بالتأكيد هذا إحتمال ممكن. هذه هى طبيعة الترجمة نفسها. أعرف أنك لو قارنت بين عهد جديد باليونانية الحديثة و عهد جديد باليونانية القديمة، سوف تجد كلمات كثيرة، كثيرة جداً، مختلفة جداً. اللغات تتطور، و لذا يجب علينا أن نتكلم بشكل مختلف، و إلا فسوف نفقد القدرة على التواصل. و لكن دعنى أربط هذا السؤال ببعض تفاصيل النقد النصى. أنظر لنص لوقا 2 : 43، و الذى يقرأ أن يسوع بعدما ذهب للفصح و هو ابن إثنتى عشر عاماً و تخلف عن أسرته و تركهم فى اسرائيل:"لم يعرف أبواه". الآن إذا نظرت فى بعض المخطوطات المتأخرة للعهد الجديد، ستجد النص يقرأ:"يوسف و أمه لم يعرفا". لماذا يُقرأ النص هكذا؟ حسناً، الأناجيل واضحة بصراحة فى أن يوسف ليس هو أب يسوع، إنما الله الروح القدس هو أبيه. لذا فإن القول "أبواه" لم يعرفاه ليس صحيحاً لاهوتياً، لأن الله الذى هو أبيه يعرف جيداً أين كان يسوع؛ لذا فمن الأدق القول "يوسف و أمه لم يعرفا". و هذه هى قراءة ترجمة كينج جيمس. إذن ففى نقطة ما فى إنتقال النص، ناسخ ما غيرّ "أبواه" إلى "يوسف و أمه".

الآن، هذا شىء رهيب الحدوث، أليس كذلك؟ أن تغير ما كتبه لوقا، كاتب الإنجيل المُوحى به؟ حسناً، أنا لن أحكم على هذا الشخص الذى أدخل هذا التغيير. و لكن ها هى النقطة الرئيسية: نحن لدينا الآن مخطوطات أقدم تقرأ "أبواه" بها بدلاً من "يوسف و أمه". و بغض النظر عما حدث فى وقت ما فى القرن السابع أو الثامن أو فى أى وقت، نحن الآن نستطيع أن نعرف ما الذى كتبه لوقا لسبب بسيط: نحن الآن لدينا مخطوطات أقدم. فى الحقيقة، أقدم قطعة من وثيقة للعهد الجديد لدينا الآن ترجع لعام 125 م. تقريباً. إنها قطعة من إنجيل يوحنا، و قد نُسِخت فى أقل من 50 عاماً بعدما كتب يوحنا إنجيله على أقصى تقدير. و بالفحص الدقيق فى أعمار المخطوطات و اسلوب الكتابة و ببفحص الكتابة الدقيقة أو التى زلت فى بعض الأوقات لكل وثيقة، نحن نستطيع أن نحدد، كما قلت سابقاً، بنسبة من الدقة 99 % ما الذى كتبه المؤلفين الكتابيين. لا يوجد وثيقة قديمة فى مثل دقة العهد الجديد فى تحديد أصولية نصوصه للمؤلف الأصلى.

لنأخذ مثال آخر. بعض الأحيان فى مخطوطات العهد الجديد، النحو فى جملة معينة لا يسير صحيحاً، و من الصعب أن تحدد ما الذى كان يريد أن يقول الكاتب الأصلى. ثم تنظر نفس الجملة فى مخطوطات أخرى، و عادةً تكون متأخرة، و فجأة تجد النحو يسير بشكل لطيف. إذن السؤال الآن هو: أى جملة هى التى كتبها المؤلف الكتابى؟ الجملة التى تحتوى على نحو صعب أم على نحو سهل؟ حسناً، هناك قاعدة فى النقد النصى، و هى تبدو معقولة جداً، أنه من المرجح بالأكثر أن جملة ستسير من النحو السىء للنحو الأفضل عن من النحو الأفضل و المتناغم للنحو السىء. فالناسخ المتأخر سوف يحاول أن يجعل الأشياء أكثر وضوحاً. و لكن مرة أخرى تبرز النقطة الممتعة حقاً. فى نسخ العهد الجديد اليونانى التى يستخدمها العلماء اليوم (يو بى اس 4 أو نيستل - آلاند 27) سوف نجد الجملة التى تحتوى على نحو ضعيف، لأنها هى ما كتبه المؤلف الكتابى على الأرجح. إذن مرة أخرى، نحن نستطيع عن طريق قواعد النقد النصى أن نحدد ما الذى قاله النص الأصلى للعهد الجديد. و هذا هو هدفنا: أن نجد ما الذى قاله العهد الجديد بالتحديد كما كُتِب. فبوجود ما يزيد عن خمسة آلاف مخطوطة نستطيع النظر فيهم، يمكننا أن نثق أننا لدينا، بلا سؤال يُذكر تقريباً، ما قاله العهد الجديد كما كُتِب أولاً.

10- إستناداً إلى خبرتك فى اللغة اليونانية، هل الإسلوب اللغوى فى كتابات يوحنا هو اسلوب واحد؟ و ماذا عن رسائل بولس؟

أعتقد أن السؤال هنا يقول: هل إسلوب الكتابة فى إنجيل يوحنا و رسائله هو إسلوب متماسك مما يعنى أن الكاتب هو شخص واحد؟ إجابتى لهذا السؤال هى "نعم". الطريقة التى يستخدمها يوحنا فى صياغة الكلمات و اللغة اليونانية البسيطة التى يكتب بها تقول أن نفس الكاتب هو الذى كتب هذه الكتابات كلها. لكننى لا أستطيع أن أقول نفس الكلام عن سفر الرؤيا، فله إسلوب مختلف بوضوح. و يختلف العلماء فى شرح هذا الموضوع. و هذه الرؤى تسير كالتالى:

أولاً: العنوان الوحيد الذى يعطيه المؤلف لنفسه فى الرؤيا هو "يوحنا الشيخ". لا يقول "يوحنا الرسول". لذا يقول البعض أن مؤلف الرؤيا و إنجيل يوحنا شخصين مختلفين. الآن كلمة "الشيخ" تعنى ببساطة رجل عجوز، إذن فمن الممكن أن يكون الكاتب، يوحنا، يُشير لنفسه ببساطة على أنه رجل عجوز. بالإضافة إلى ذلك، كاتب سفر الرؤيا لا يحاول بأى شكل أن ينتحل شخصية يوحنا. إذا كان شخص ما يحاول أن ينتحل شخصية يوحنا، كان سيقول هذا الشخص و هو يعرف نفسه "يوحنا الرسول".

ثانياً: لاحظ أننا يمكننا توقع إسلوب مختلف فى الرؤيا لأن الرؤيا هى ما نستطيع أن نسميه "كتابة رؤيوية"، و هى الكتابات التى تحتوى على رؤى و وحوش و حروب و أشياء كهذه. و هذا النوع فى الكتابة يتطلب اسلوب مختلف. بالإضافة إلى ذلك، ففى رؤاه، يُخبَر يوحنا ما الذى يجب أن يكتبه؛ فهو لا يكتب شىء ما قرر أن يكتبه لكنائس آسيا الصغرى. بكلمات أخرى، بسبب طبيعة الرؤيا، فإن المفردات مختلفة و إسلوب الكتابة مختلف بالضرورة.

ثالثاً: كما كتبت سابقاً، إذا كان يوحنا يكتب بنفسه هذا السفر فى بطمس، فلم يكن لديه شهص ما يساعده فى تصحيح النحو و الإسلوب كما فعل تقريباً فى إنجيله و رسائله.

أنا شخصياً أعتقد أن يوحنا الرسول كتب سفر الرؤيا حينما كان رجلاً عجوزاً معجزولاً فى جزيرة بطمس بسبب الإضطهاد.

ماذا عن بولس إذن؟ يوجد تماسك أيضاً فى كتابات بولس، حتى نصل إلى الرسائل الرعوية (تيموثاوس الأولى و الثانية و تيطس). بولس يكتب مستخدماً جمل طويلة و غالباً يستخدم أسماء فاعل و مفعول كثيرة، و كثيراً يتكلم عن موضوعات مثل التبرير بالايمان (أى الإعتقاد فى يسوع) و كينونة الفرد "فى المسيح". هذه العناصر لا ترد فى الرسائل الرعوية كثيراً. لماذا؟ سبب رئيسى لذلك هو أن بولس يكتب لأصدقاء شخصيين له، و هو رعاة يخدمون عنه فى كنائس ساعد هو فى تأسيسها. أنت نفسك سوف تكتب بشكل مختلف إذا كنت تعلم راعى كيف يرعى كنيسة عن إذا كانت تعلم كنيسة كيف تعيش بحسب المسيح.

بالإضافة إلى ذلك، مرة أخرى، إذا كان شخص لديه الرغبة أن يزعم أن بولس هو الكاتب، فكان سيكتب بالتأكيد فى جمل طويلة بأسماء فاعل و مفعول كثيرة؛ و لكننا لا نجد ذلك فى الرسائل الرعوية. بولس حر ليكتب بالطريقة التى يقوده الروح بها؛ فأى شخص يريد أن ينتحل شخصية بولس سوف يحاول أن ينسخ إسلوب بولس فى هذه الرسائل.

أخيراً، لو قرأت رسالة تيموثاؤس الثانية، الإصحاح الرابع، سوف تجد الكثير من التعاليم التى لا يعطيها بولس فى الرسائل الأخرى، و أيضاً يكتب أسماء مجموعة من الناس الذين لا نعرف عنهم شىء، و البعض نعرف عنه مثل لوقا. لو أن شخصاً يحاول إنتحال بولس فلن يكتب تفاصيل كثيرة كهذه لناس غير معروفين و مواقف مجهولة.

و لهذا، رغم أن هناك الكثير من الإختلافات فى الإسلوب اليونانى فى بعض رسائل بولس، فلا يوجد سبب لدى عدد من العلماء ليقولوا أن بولس لم يكن ليكتب بهذه الطريقة.

فادى: شكراً د. فيربروج لمحبتك، نصلى أن يكون هذا العام الجديد عاماً مُباركاً لك و لأسرتك. صلى لأجلنا!

فيربروج: لقد سعدت أننى أستطيع أن أخدم المجتمع المسيحى فى مصر من خلال مكتبى فى شيكاغو! دائماً فى صلاواتى و الرب معكم و يعضد خدمتكم لأجل نشر و الدفاع عن إنجيل المسيح. عام سعيد ملىء بالبركات لك و لكل القراء!

السبت، 26 ديسمبر، 2009

ايرمان - ليكونا


هذه مناظرة بين بارت ايرمان و مايكل ليكونا، حول: هل القيامة يمكن إثباتها تاريخياً؟ تمت المناظرة فى المعهد الإنجيلى الجنوبى للدراسات اللاهوتية هذا العام، و هى غير المناظرة السابقة التى تمت بينهما:

الجمعة، 25 ديسمبر، 2009

اصغر البذور


هى ليست شبهة جديدة بأى حال، و لكن هناك كلام كثير يُثار حولها لدرجة بلغت بالتعقيد ما يدعو للملل. فهذا متخصص فى كل شىء، و فى كل علوم الدنيا: علم آثار، علم نبات، علم حيوان، علم ميثولوجيا، بل و حتى علم النقد النصى! أصبحت كلمة "التخصص" بالسهولة بمكان ليدعى كل من هب و دب أنه متخصص فى علوم الدنيا كلها، و يكرر كثيراً أنه لا يتكلم إلا بتخصص. و هل ذكر كتاباً واحداً كمرجعاً؟ اللهم إعتماد رئيسى و كلى على مواقع الشبكة. و دخلنا فى دوائر مغلقة و تقسيمات و صور، و ذلك كله لأنه لا يوجد كتاب علمى واحد متخصص فى الدراسة النقدية للعهد الجديد تم الرجوع له. لو أى شخص قرأ تفسيراً نقدياً واحداً، و لو كلف نفسه عناء شراء أى تفسير نقدى أو قاموس لاهوتى للعهد الجديد، و هناك الكثير منهم متوفر فى مصر، لأدرك حل المشكلة ببساطة. و لكن لما و نحن المتخصصين فى علوم الدنيا بأكملها؟!

تحتاج العقلية الشرقية أن تتدرب فى كيفية فِهم المنهج التأويلى الهيرمونطيقى، حتى تستطيع أن تدرك أن "النص المُطلق" هو مجرد وهم و خرافة. لا يوجد نص غير تأويلى، و بالتالى لا يمكن الحكم فيه إلا فى ضوء الإحتمالات الممكنة لتفسير النص، و إختيار أفضل هذه الإحتمالات، و هو الإحتمال الذى يفسر كافة معطيات النص المتوفرة. نصر حامد ابو زيد كان قد ذكر مرة أن الثقافة العربية هى ثقافة نص، لا تستطيع العبور منه إلا ما وراء النص. و الغريب أن هذا هو بالضبط النقد الكتابى، فى الوقت الذى يدعى فيه الصاحب أنه دارس للنقد الكتابى!

إن آخر منظور قد يُنظر به للكتاب المقدس هو ما يسميه العرب "ظاهر النص". هذا الكتاب بشكل عام لم يُكتب لكى نقرأه بحسب ظاهره. مؤلفى هذا الكتاب لم يريدوا أن يظهروا ما يريدونه بكل بساطة لكل من يقرأ. النقد الكتابى بأكمله هو مجموعة من الفروع المعرفية القائمة فقط، و أكرر فقط، لأجل فِهم النص.

حسناً، هل حبة الخردل هى أصغر حبوب كوكب الأرض؟ لست "متخصص" فى النبات لكى أقول نعم أم لا، و لهذا يجب اللجوء للسلطة فى هذا المجال، أى لمن يملك سلطة القرار؛ العالم. و قد إتفق علماء العهد الجديد على أن حبة الخردل ليست هى أصغر الحبوب الموجودة على كوكب الأرض. لكن هل هذا يعنى أن يسوع قد اخطأ؟ لا يرى الصاحب ذلك، إنما يرى أن مؤلفى الأناجيل "حرفوا" نص كلام يسوع. بكلمات أخرى، يرى جنابه أن أفضل تفسير لهذا النص هو أن مؤلفى الأناجيل قد غيروا نص كلام يسوع. السؤال الجوهرى إذن: هل هذا هو أفضل تفسير بالفعل؟

يحتاج المتخصص أن يعلم التالى: النص لا يُفسر إلا فى بيئته و فى مجتمعه و بمقاييسه، و ليس بمقاييس معاصرة. إذا خرج المُفسِر عن هذا الإطار فلا يُسمى ما يكتبه إلا عبثاً. لذلك لن تجد عالم يقول لك متى قد غيرّ فى شىء إقتبسه عن مرقس إلا و يذكر لك السبب. ما السبب الذى سيجعل الإنجيليين يغيروا كلام يسوع؟ الآن، لو كان لدى صديقنا هذا أدنى معرفة بالنقد التاريخى، لعرف أن التوثيق المتعدد للنص من خلال إنجيل مرقس و إنجيل توما يذهب بالنص ليسوع. النص لم يرد فى المصدر Q حيث أن متى و لوقا أخذا النص عن مرقس، و بتطبيق النقد التنقيحى نستطيع أن نفهم بعض الإشارات عند متى و لوقا. ليس هذا هو المهم الآن، لكن المهم هو أن النص وارد عند مرقس و وارد فى انجيل توما، و كلاهما مصدران مستقلان عن بعضها، و هذا يجعل العلماء يسألون: لماذا سيضع انجيل مرقس و انجيل توما نصاً ما دون أن يلتقيا إلا إذا كان النص أصلياً؟ لا يوجد سبب آخر بالتأكيد. و بالتالى، إدعاء الصاحب أن النص تغير شكله عن الشكل الذى قاله يسوع غير مُسند بالأدلة العلمية.

لماذا يفترض إذن أن الخطأ تم من قِبل الإنجيليين؟ لأنه يعتبر يسوع نبياً لا يخرج منه خطأ. حسناً، و أنا اؤمن أنه ابن الله نفسه، و لكن هذه المعتقدات لا علاقة لها بالبحث التاريخى. فى أى بحث تاريخى لا يجب أن توجه البحث لما تريده أن ينتهى. عليك أن تضع كل الإحتمالات الممكنة و تقيمها بحسب الدليل المتوفر. هل هذا يعنى أنه هناك إحتمالية نظرية بحسب المنهج التاريخى أن يكون يسوع هو الذى ذكر هذا النص الذى يعتبره الصديق خطأ؟ نعم، لا يوجد أى أساس تاريخى يجعلك تستثنى يسوع، إنما أساس عقيدى فقط. هذا منهج مغلوط، لأنك إذا قررت البحث التاريخى يجب أن تخضع لقوانين البحث التاريخى دون تأثير من أى معتقدات. هذا لا يعنى أننى أقول أن يسوع قد اخطأ فى شىء، بل ولا حتى الإنجيليين قد أخطأوا فى شىء، فكما سنرى، إنعدام الدراسة النقدية هو الذى أدى إلى تخيل أنه خطأ! إنما ما أقوله هنا الآن هو نظرة فى منهجية الصديق، التى لو عرضها على أى عالم متخصص (متخصص حقيقى!) لما أعطاه أى إعتبار اصلاً!

ما الذى يقوله المتخصصين الحقيقيين إذن؟

أجمع علماء العهد الجديد، بلا أى إستثناء، أن صِغر حبة الخردل كان مثلاً فى اسرائيل. بكلمات أخرى، كانت حبة الخردل مضرباً للمثل فى صغرها فى اسرائيل. دعونا نستعرض معاً ما توصل له المتخصصين الحقيقيين:

يقول العالم روبيرت جيلش الأستاذ بمعهد فولر اللاهوتى، و هو أكبر معهد لاهوتى فى العالم:"حبة الخردل κόκκῳ σινάπεως كان لها وضع مثلى فى الفولكلور اليهودى كأصغر حبة. و كرمز للصغر كان لها معنى سلبى كثانوية. و لهذا فإن موضوع هذا المثل يتضمن بتأصل فكرة الصِغر"
[1].

ما معنى أنها أصغر حبة فى الفولكلور اليهودى؟ ببساطة، أنها كانت حبة متناهية الصِغر للدرجة التى جعلتها تكون مضرب المثل. هذا يعنى أن يسوع حينما قال أن حبة الخردل هى أصغر البذور كان يستخدم الثقافة اليهودية المحيطة به فى المجتمع الذى عاش فيه. و لهذا حينما نقول أن الكتاب المقدس ليس كتاباً علمياً، فإننا نعنى بذلك أنه لا يذكر تفاصيل كل علم المُطلقة. و حينما نقول أن الكتاب المقدس لا يخالف العلم، نحن نعنى أن تصريحاته تُفهم فى مجتمعه و سياقه. فكما رأينا، و سنرى تفصيلاً الآن، كان يسوع يتكلم بحسب الثقافة السائدة فى مجتمعه، لأنه يتعامل مع جماعة من البشر لها مقاييسها و مفاهيمها و ثوابتها.

قلت سابقاً أن هذا المفهوم توصل له العلماء و ليس عالم واحد فقط، لذلك دعونا نرى ما ورد فى أكبر قاموس للغة اليونانية فى العالم:

"لا يرد ذكر للخردل فى العهد القديم، و لكن يبدو من الأدب اليهودى أنها كانت معروفة جيداً فى فلسطين. و بحسب المشنا، لم تكن تُزرع فى الحدائق و إنما فى المزارع. و كانت تنمو لكل من الحبوب و الأوراق. و لا يوجد ذكر للإستخدام الطبى لها. مدى صِغر الحبة كان مضرباً للمثل. ففى بعض قواعد التطهير، أقل كمية تنجس الإنسان هى "حتى لو مجرد صغيرة جداً كحبة الخردل" (المشنا: نيدا 5 و 2، و قارن التلمود البابلى: بيراخوت 31 أ). و هناك مثل آخر كالتالى: إذا كان شخصاً قد نذر أن يقبل بالنذر لمدة ثلاثين يوما كـ "سلة ممتلئة"، أى بالسعة التى تتحملها سلة، فإن أقسى إمكانية هى:"يجب أن ينتبه أن يجعل السلة مليئة بحبوب الخردل - و بهذا فقد نذر نفسه للرب طول حياته" (المشنا، نذير 1، 5). بل و حتى إلى اليوم يوجد المثل العربى:"لا يوجد حبة خردل تنزلق من يد البخيل". النصوص اليهودية لا تقول أن النبات ينمو بشكل طبيعى لإرتفاع مفاجىء. و كما يمكن أن نرى من السياق، لا يجب علينا أن نأخذ بشكل جاد التعبيرات العرضية التى تتباهى بخصوبة ارض فلسطين و التى تذكر نباتات خردل غير عادية، مثل:"قال الراباى شيما عن خالفتا: كان عندى نبات خردل و جعلتها تنمو إلى علو شجرة التينة". و مع ذلك، فإن الخردل فى الحقيقة ينمو إلى طول مترين و نصف إلى ثلاثة أمتار بالقرب من بحيرة جنيسارت".

ثم يذكر فى الهامش:"ويلكين لاحظ أيضاً أن الطيور تستظل بأوراقها الكبيرة. و على أية حال، فإن الطيور كانت تتغذى بحبوبها"
[2].

ما الذى يعنيه هذا الكلام إذن؟ بكل وضوح و بساطة يعنى التالى: أن الثقافة اليهودية إعتبرت حبة الخردل لصِغرها المتناهى أصغر الحبوب، و كانت مضرباً للمثل فى مدى الصِغر. و هو ما يعبر عنه العالم جيمس ادواردز، استاذ اللغة و الأدب الكتابى بكلية ويتورث فى واشنطن:"حبة الخردل، و هى الحبة التى تظهر سنوياً فى فصل الربيع، ليست فعلياً أصغر الحبوب، و إنما كان لها رؤية فى فلسطين تعتبرها الصغرى مثلياً"
[3].

حسناً، إرجع خطوة للخلف، و تذكر: ما السياق الذى تكلم فيه يسوع عن حبة الخردل؟ إنه مثل! يسوع كان يتكلم بمثل لكى يشبه كيف سيُولد ملكوت الله صغيراً لا يتعدى إثنى عشر فرداً، لكنه سيمتد إلى كافة أرجاء الأرض. الحبة هى أصغر الحبوب مثلياً فى اسرائيل فى ذلك الزمان، و يسوع كان يتكلم بمثل حينما تكلم عنها. هل أدرك الصاحب هذا المنظور النقدى؟ هل بحث فى الكتب و المراجع؟ إذا كان لا يملكها، فليصمت ولا يتكلم ليعطى حكماً خائباً!

بهذا، هل أخطأ الكتاب المقدس؟ يقول العالم جيمس بروكس، أستاذ العهد الجديد فى معهد معهد بيت إيل اللاهوتى:"حبة الخردل لم تكن أصغر البذور فى فلسطين، و لكنها كانت واحدة من أصغر الحبوب و كان مضرباً للمثل فى تناهى صغرها. و كعادة الكتاب المقدس، لا يعطى وصفاً علمياً أو تحليلياً إنما الوصف العام. و بهذا فإن الكتاب المقدس لا يوجد به أى خطأ كان"
[4]. فالكتاب المقدس ليس كتاباً علمياً يتكلم عن علم نبات و علم حيوان و علم آثار، حتى يلتزم بالتقنية العلمية، إنما هو كتاباً لا يتعارض مع العلم، فيتكلم بثقافة المجتمع الذى كُتِب فيه كل سفر من أسفاره. و عقيدتنا فى عصمة الكتاب المقدس الدنيوية كالتالى: حينما نعرف كل البيانات و المعلومات عن نص معين، فسيتبين أنه لم يرد فيه خطأ. و هذا هو فكر كافة المسيحيين، و هو الفكر الذى عبر عنه بيان شيكاغو. لأننا إذا كنا سنتعامل مع الكتاب المقدس كنص، علينا أن نعرف الوسط و المجتمع الذى خرجه فيه هذا الكتاب. لا يوجد متخصص واحد فى النقد الكتابى يقول أننا يجب أن نفسر النص فى ضوء المقاييس المعاصرة.

الآن، إذا كان المجتمع اليهودى يعتبر حبة الخردل يُضرب بها المثل فى التناهى فى الصِغر، و إذا كان يسوع يستخدم حبة الخردل و يقول أنها أصغر البذور بينما يلقى "مثلاً" عن ملكوت الله، و إذا كان العلماء النقديين الذى ينظرون للتاريخ لا للعقيدة يؤكدون هذه الحقائق، فهل نقول أن يسوع قد اخطأ؟ أو هل هناك سبب واحد يجعلنا نقول أن أحد الإنجيليين قد حرفّ كلام يسوع؟ لقد بينا أنه لا يوجد أى سبب لأى إنجيلى يجعله يغير مفهوم الكلمة، و رأينا أن يسوع كان يتكلم بثقافة مجتمعه و البيئة التى وُلِد و عاش و مات و قام فيها. أين الخطأ إذن؟ أين العناوين البراقة "علم النبات يثبت تحريف الكتاب"؟

أكبر و أشهر تفسير نقدى خرج للكتاب المقدس منذ أن بدأ النقد الكتابى فى عصر التنوير يقول:"هذه المقارنة تقصد أن تبرز علو هذا النبات عن الآخرين فى تصنيف "لاخانا" λάχανα و الذى ينتمى له هذا النبات، و هو التصنيف الذى لا يوجد له أعواد خشبية مثل الشجر و الشجيرات، حتى أنه يتعدى التصنيف الأخير، و يصنع فروعاً كبيرة تستظل بها الطيور. و هذا يقابل مدى صِغر البذرة"
[5]. بكلمات أخرى، يقول عزرا جولد، الذى كان أستاذاً للغة و أدب العهد الجديد بكلية اللاهوت الأسقفية فى ولاية فيلادلفيا، أننا يجب أن نفهم التعبير فى سياقه، لا بحسب المعايير المعاصرة. و هذه النقطة الأخيرة التى سألفت النظر لها، و هى أن كِبر النبات حينما ينمو لا يُقاس بحسب خبرة كل فرد الشخصية. هذا أمر نسبى بحت لا علاقة له بخبرة كل فرد، فحجم النبات حينما ينمو إلى ثلاثة أمتار بالنسبة لحبة متناهية الصغر للدرجة التى جعلتها مضرباً للمثل فى المجتمع اليهودى، هو بكل تأكيد حجم كبير و أعظم من حجم الحبة!

بإختصار:

1- حبة الخردل صغيرة جداً.
2- حبة الخردل كانت أصغر الحبوب فى الثقافة اليهودية.
3- حبة الخردل كانت مضرباً للمثل فى صِغرها.
4- يسوع إستخدم حبة الخردل فى مثل.
5- يسوع قال أن حبة الخردل أصغر الحبوب فى الأرض.

ما الذى نفهمه من ذلك؟ هذه هى قضيتى: أن يسوع إستخدم التعبير الملائم و المناسب جداً للمجتمع الذى عاش فيه، ولا يوجد أى خطأ فى كلامه بمقاييس عصره. أى ناقد كتابى لن يفسر النص خارجاً عن سياقه و عن بيئته التى خرج منها النص. و كل شخص لديه علم بمناهج التأويل الهيرمونطيقى لن يجازف و يفسر النص بمعايير عصره.

من إتضع رفعه الله، فهو الذى أنزل الأعزاء من على الكراسى و رفع المتضعين، و هو الذى جعل نبوخذ نصر ملك بابل الذى تبجح بجبروته يهبط ليصير حيواناً يأكل العشب من الأرض. إنما التفاخر و التكبر و الغرور فى التعامل مع المسيحيين قائلين مرددين "التخصص" مدعين أنهم متخصصين فى النقد النصى، فبنعمة الرب و قوة الروح، لو وضعنا لهم مصطلحاً فى النقد النصى لسهروا شهوراً على الشبكة ليفهموه سيضيع تعبهم هباء!

أخيراً، أحب أن أقول لماذا كتبت هذا الرد الآن. انا لا أنتبه كثيراً لشبهات قديمة، خاصةً ما يتعلق باللاهوت الدفاعى، و ذلك نظراً لتركيزى الشديد و المُكثف فى النقد الأعلى. و لكن أخبرنى الأصدقاء بالغرور من مدعى التخصص و بالقيل و القال و الردود على فلان و التفنيد على فلان و ما إلى ذلك! و لو لم أكن علمت بهذه البروبجاندا السطحية جداً لما كنت رددت عليها!

لقد قال داود قديماً لجليات حينما تجبر على شعب الرب:"مَنْ هُوَ هَذَا الْفِلِسْطِينِيُّ الأَغْلَفُ حَتَّى يُعَيِّرَ صُفُوفَ اللَّهِ الْحَيِّ؟" (1 صم 17 : 26). و بقوة الروح القدس، لا بقدرته هو الشخصية، قتل داود هذا الأغلف. إن كل إعتمادنا هو على الروح القدس، لأن الرب هو الذى وعد قائلاً:"لأَنْ لَسْتُمْ أَنْتُمُ الْمُتَكَلِّمِينَ بَلْ رُوحُ أَبِيكُمُ الَّذِي يَتَكَلَّمُ فِيكُمْ" (مت 10 : 20). و إننا نقول بقوة الروح الذى يتكلم فينا:

لا يوجد رد علمى بمنهج نقدى محترم يمكنه أن يثبت خطأ الإستدلال المبنى فى هذه المقالة!

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1] Robert W. Guelich, Word Biblical Commentary, Vol. 34a (Mark 1-8:26), Word Books: USA 1989, P. 249
[2] G. Kittel & G. Friedrich, ed., Theological Dictionary of The New Testament, Vol. 7, Translated by G. W. Bromiley, Eerdmans: USA 1964, P. 288
[3] James R. Edwards, The Gospel According To Mark, Eerdmans: USA 2002, P. 144
[4] James A. Brooks, The New American Commentary, Vol. 23 (Mark), Broadman Press: USA 1992, P. 85
[5] Ezra P. Gould, Critical & Exegetical Commentary on The Gospel According To St. Mark, T&T Clark: USA 1989, P. 82

عام جديد


كان عاماً جميلاً جداً. أستطيع أن أقول أن عام 2009 كان من أجمل السنوات التى عشتها و إستمتعت بها. لعل السبب الرئيسى فى ذلك هو أن الساعات الأولى لهذا العام شهدت مقابلتى الأولى مع يسوع المسيح. كانت رحلة صعبة إنتهت مع البزوغ الأول لشمس هذا العام. لذلك لا يوجد شىء يسيطر علىّ هذه الأيام سوى ذكريات هذه الرحلة و كيف إنتهت. أو بالأحرى، كيف بدأت الرحلة الجديدة التى لا نهاية لها!

لقد كان عاماً جميلاً أيضاً على المستوى الشخصى، و أيضاً على المستوى الحياتى. تعرفت فيه على شخصيات جميلة و رائعة، و ربطتنى فيه علاقات مع علماء الكنيسة القبطية و علماء غربيين. و أيضاً على المستوى العلمى، ربما يكون هذا العام هو أكثر عام قرأت فيه، رغم أنه أقل عاماً كتبت فيه! و فيه وُلِد الحلم: الكتاب المدرسى الأول باللغة العربية حول النقد الأعلى. إن مجرد ولادة الفكرة كان حلماً لدىّ، رغم أنه لن يخرج للنور قبل سنوات! و فيه أيضاً بدأت و صديقى العمل لوضع كتاب أكاديمى حول كريستولوجية يسوع، لاهوته و ناسوته من كافة الأبعاد (أنظر
هنا).

تحققت فى هذا العام إنجازات، رغم أنه كان هناك مناطق للفشل لكن لا أتذكرها! و لذلك أصلى أن يكون هذا العام الجديد بداية جديدة لك مع الرب يسوع، أو أن يكون إستمراراً فى العهد بينك و بينه. و أتمنى من كل قلبى لكل شخص يقرأ هذه الكلمات عاماً سعيداً مليئاً بالحب و الوفاء و كافة القيم النبيلة التى أعلنها الله للإنسان فى إختراقه للتاريخ.

إفرح فى الكريسماس، و إبتهج، لكن حاول أن تبحث عن السعادة الحقيقية. السعادة التى تروى كل عطش. و أتمنى لك من عمق قلبى أن يكون هذا العام الجديد ملىء بالنجاحات و الإنجازات فى كل مستويات حياتك. و أحب أن أهديك هذه الأغنية الجميلة التى تعبر عن كل معانى الحياة:



So this is Christmas
And what have you done?
Another year over
a new one just begun

And so this is Christmas
I hope you have fun
The near and the dear ones
The old and the young

A very Merry Christmas
And a Happy New Year
Let's hope it's a good one
Without any fear

And so this is Christmas
For weak and for strong
For rich and the poor ones
The road is so long

And so Happy Christmas
For black and for white
For yellow and red ones
Let's stop all the fight

A very Merry Christmas
And a Happy New Year
Let's hope it's a good one
Without any fear

And So this is Christmas
And what have we done?
Another year over
A new one just begun

And so Happy Christmas
We hope you have fun
The near and the dear ones
The old and the young

A very Merry Christmas
And a Happy New Year
Let's hope it's a good one
Without any fear

So this is Christmas And
And what have we done?
Another year over
A new one just begun

الخميس، 24 ديسمبر، 2009

يوم ميلاد المخلص


هذه عظة ميلاد المسيح للقديس يوحنا ذهبى الفم، و قد حملت أصلاً عنوان "يوم ميلاد المخلص". قام بترجمتها عن اليونانية د. سعيد حكيم يعقوب، و نشرها المركز الأرثوذكسى للدراسات الآبائية، ضمن سلسلة "نصوص آبائية"، رقم 52 بمناسبة عيد الميلاد المجيد لعام 2001.

إليك نصها:

"أرى سرًا عجيبًا ومدهشًا، أسمع أصوات رعاة يصلوّن بتسبيح سماوي. ملائكة يرتلون، رؤساء ملائكة يمجدون، الشاروبيم يسبحون، والساروفيم يمجدون، الجميع يحتفلون برؤية الله على الأرض والإنسان في السماوات. وهذا الكائن أصلاً في السماء، يرونه بسبب تنازله ـ كائنًا على الأرض، وهذا الذي هو أصلاً على الأرض (أي الإنسان)، يرونه ـ بسبب محبة الله للبشر ـ موجودًا في السماء.

اليوم تشبهت بيت لحم بالسماء وبدلاً من النجوم استقبلت الملائكة الذين يمجدون، وبدلاً من الشمس، قبلت شمس البر بأسلوب لا يوصف. ولا نطلب أن نعرف كيف حدث هذا. لأنه عندما يريد الله فإن القوانين الطبيعية تنهزم. لذلك فهو قد تمم ما أراده، نزل إلى الأرض, وخلّص الإنسان. اليوم وُلِدَ هذا الكائن منذ الدهور، والموجود منذ الأزل صار إنسانًا، دون أن يتوقف عن أن يكون إلهًا. لأنه لم يصر إنسانًا متخليًا عن ألوهيته، ولا أيضًا صار إلهًا نتيجة تقدم أخلاقي، لكن بينما هو كلمة الله صار إنساناُ دون أن يعاني أي تغيير في طبيعته (الإلهية).

عندما وُلِدَ رفض اليهود ميلاده العجيب، والفريسيين أساءوا تفسير الكتب الإلهية، والكتبة تكلموا وقالوا عكس الناموس. هيرودس طلب أن يجد الطفل الذي وُلد لا لكي يُكرمه بل لكي يقتله (متى13:2). اليوم رأوا أمورًا مختلفة. لأنه كما يقول المزمور" لا تخفي عن بنيهم إلى الجيل الآخر مخبرين بتسابيح الرب وقوته وعجائبه التي صنع " (مز4:78).

والملوك أتوا وهم مملوئين بالدهشة من الملك السماوي، كيف أتى إلى الأرض بدون ملائكة،بدون عروش، بدون قوات، بدون سلطات، لكن سار في طريق عجيب، لم يعبر فيه أحد ودون أن يترك ملائكته محرومين من حمايته ولا أخذ جسدًا إنسانيًا وهو تارك لألوهيته. الملوك إذن سجدوا للملك السماوي، أتت الأجناد السماوية لكي تخدم رئيس القوات، أتت النساء لكي يسجدن للذي وُلِدَ من امرأة، لكي يحول فيما بعد حزن المرأة إلى فرح، وأتت العذارى لكي يسجدن لطفل العذراء، مندهشين كيف أن هذا الذي خلق الثدي واللبن وجعل الثدي يخرج لبن من نفسه، أخذ شكل طفل من أم عذراء. أتى الأطفال لكي يسجدوا لذاك الذي صار طفلاً، لكي يُنشد تسبيح المجد من أفواه الأطفال والرضعان. أتى الرجال لكي يسجدوا لذاك الذي صار إنسانًا وخلص العبيد من الشرور التي أصابتهم. أتى الرعاة لكي يسجدوا للراعي الصالح الذي قدم حياته من أجل الخراف. أتى الكهنة لكي يسجدوا لذاك الذي أخذ شكل العبد لكي يمنح الحرية للمستعبدين. أتى الصيادون لكي يسجدوا لذاك الذي حّول الصيادين إلى صيادين للناس. أتى العشارون لكي يروا ويسجدوا لذاك الذي حولهم من عشارين إلى مبشرين. أتت الزانيات لكي يسجدن لذاك الذي ترك قدميه لدموع زانية. كل الخطاة أتوا لكي يروا حمل الله الذي يحمل على كتفية خطية العالم، المجوس وضعوه نصب أعينهم، الرعاة باركوه، العشارون بشروا به، الزانيات قدمن طيبًا، السامرية عطشت لمصدر الحياة، الكنعانية أظهرت إيمانًا ثابتًا.

إذن فطالما أن الجميع ارتكضوا من الفرح، أريد أنا أيضًا أن ارتكض، أريد أن أحتفل، وأرقص لا عازفًا على قيثارة ولا محركًا لأوتار، ولا لاعبًا على مزمار ولا ماسكًا لشموع مضيئة ولكن ماسكًا أقماط المسيح بدلاً من الآلات الموسيقية. لأن هذه الأقماط هي رجائي، هي حياتي، هي خلاصي، هي قيثارتي. ولهذا أنا آتي ممسكًا بهذه الأقماط لكي آخذ منها قوة أن أتكلم وأقول مع الملائكة " المجد لله في الأعالي وعلى الأرض السلام وبالناس المسرة " (لو14:2). ذاك الذي وُلِدَ من الآب بأسلوب لا يوصف، وُلِدَ اليوم من العذراء بأسلوب لا يُعبر عنه. فهو وُلِدَ من الآب قبل كل الدهور حسب قوانين الطبيعة الإلهية، تلك القوانين المعروفة من ذاك الذي وَلَدَه، بينما اليوم وُلِدَ أيضًا لا بحسب القوانين الطبيعية ولكن بنعمة الروح القدس.

وهنا الميلاد السماوي هو حقيقي والميلاد الأرضي أيضًا هو حقيقي ـ غير كاذب ـ بالحقيقة وُلِدَ إله من إله، وبالحقيقة هو نفسه وُلِدَ إنسانًا من العذراء. هو وحدة في السماء الابن الوحيد الجنس الذى وُلِدَ من الآب، بينما على الأرض هو وحده بذاته الابن الوحيد الجنس الذي وُلِدَ من العذراء. وبالضبط كما أنه في حالة ميلاده السماوي، يعتبر كفراُ أن نسأل عن وجود أم له، هكذا فإنه يعتبر تجديف أن نقول إن له أب في ميلاده الأرضي. الآب وَلَدَ الابن بأسلوب يفوق الإدراك، بينما العذراء ولدته محتفظة بنقاوتها بغير فساد. الله ولده بدون زرع، لأنه ولده بأسلوب إلهي وليس كالبشر، والعذراء لم يصبها فساد لأنها ولدته بالروح القدس. وعليه فلا ميلاده السماوي يمكن أن يُشرح، ولا ظهوره في ملء الزمان كإنسان يقبل البحث لمزيد من الفهم. إذن فمن حيث إن العذراء ولدته اليوم، فهذا أعرفه، ومن حيث إن الله ولده قبل الدهور، فهذا أؤمن به، لكن تعلمت أن أكرم بصمت أسلوب ميلاده، وألا أشرع في فهم كل هذا واضعًا إياه تحت الفحص. لأنه في حالة ولادة الابن من الآب، لا يجب أن يفكر المرء في كيفية هذه الولادة، ولكن فقط أن يؤمن بقوة ذاك الذي وُلد. لأنه ناموس طبيعي أن تلد امرأة متزوجه من رجل، ولكن عندما ولدت العذراء والتي لم تعرف رجلاً وبقيت أيضًا عذراء، فإن هذا الحدث يظل فوق النواميس الطبيعية. هذا الذي يحدث وفقًا للقوانين الطبيعية يمكن أن نفحصه، بينما ما يحدث وفقًا لأسلوب يفوق الطبيعة فلنحترمه بصمت، لا كشيء يجب أن نتجنبه، ولكن كشيء لا يمكن شرحه، ولهذا يجب أن نحترمه بصمت.

ولكن سامحوني من فضلكم، لأنني أريد أن أوقف حديثي والذي لا يزال في بدايته. لأنني أشعر بخوف أمام بحث الأمور الإلهية، ولا أعرف كيف أو أين أُغير دفة الحديث.

لأنه ماذا أقول، أو عن أى شيء أتكلم ؟ أرى تلك التي ولدت وأرى ذاك الذي وُلد، لكن لا أستطيع أن أفهم أسلوب أو طريقه الميلاد. لأنه عندما يريد الله فإن الطبيعة تنهزم، ويُهزم ناموس النظام الطبيعي. إن هذا الحدث حقًا لم يصر وفقًا للنواميس الطبيعية، لكن هذه المعجزة هي أمر فوق الطبيعة، لأن الطبيعة لم تعمل، ولكن الإرادة الإلهية هي التي عملت. أقول أنها نعمه كبيرة غير موصوفة.

وحيد الجنس الذي هو قبل الدهور، الغير مقترب منه، المتفرد والغير جسدي، أتى إلى جسدي الفاسد والمرئي. لماذا؟ لكي يعلمنا عندما ننظر إليه، وعندما يعلمنا يقودنا إلى ذاك الذي لا يُرى. لأن الناس يؤمنون أكثر مما ينظرون، أكثر مما يسمعونه. ويتشككون في تلك الأمور التي لا يرونها. ولهذا قَبِلَ أن يأخذ جسدًا إنسانيًا، وأن يعطي لعيوننا إمكانية أن نراه لكي يزيل هذا الشك.

وُلِدَ إذن من عذراء، ذاك (السر) الذي كان غير معروف لديها، فهى لم تصنع هذه المعجزة، لكنها كانت فقط أداة لهذه القوة غير الموصوفة. واضعة في اعتبارها فقط هذا الذي سمعته من جبرائيل الملاك بعد السؤال الذي سألته " كيف يكون لي هذا وأنا لم أعرف رجلاً " ـ فأجاب الملاك وقال " الروح القدس يحل عليك وقوة العلي تظلك " (لو34:1).

كيف وُجد داخل العذراء وبعد قليل كيف خرج منها ؟ تمامًا مثل فنان، وجد مادة مفيدة جدًا ويصنع منها إناءً جميلاً جدًا، هكذا فإن المسيح عندما وجد الجسد المقدس ونفس العذراء، صنع لنفسه هيكلاً عاقلاً داخل العذراء بالطريقة التي أرادها هو. واليوم يُستعلن للعالم، دون أن يشعر بخجل من ضعف الطبيعة الإنسانية التي لبسها. فإن لبس هيئة خليقته لا يُعتبر أهانه له.

لكن ماذا أقول وعن ماذا أتكلم ؟ لأن المعجزة تملأني بالدهشة. قديم الأيام صار طفلاً، ذاك الذي يجلس على العرش العالي بعظمة وجلال يوضع في مزود. الذي لا يُقترب منه، غير الجسدي، قُمط بأيدي إنسانية. ذاك الذي يفك رُبط الخطية، لُف في لفائف، لأن هذه هي إرادته. لأنه أراد للهوان أن يتحول إلى كرامة، وللعار أن يكتسي بالمجد، ولحالة الهوان أن تتحول إلى حالة الفضيلة. ولهذا أخذ جسدي لكي أسع الكلمة في داخلي. وما دام قد أخذ جسدي فقد أعطاني روحه حتى يقدم لي كنز الحياة الأبدية. يأخذ جسدي لكي يقدسني ويعطيني روحه لكي يخلصني.

ماذا أقول وعن ماذا أتكلم ؟ " ها العذراء تحبل وتلد ابنًا " (أش14:7). هذا لم يُكتب كشيء سيحدث، لكن أعجب له كشيء حدث. إنه تحقق لليهود الذى أُفرز من وسطهم ، لكن نحن آمنا به، رغم أنه لم يصر من عندنا كلام عنه (أى أن الأمم لم يتنبأوا عنه). "ها العذراء تحبل " هذه النبوءة هي للمجمع، أما تحقيق النبوءة فقد صار ميراثًا للكنيسة. المجمع وجد المخطوط القديم، الذي فيه كان مكتوبًا، بينما الكنيسة اكتشفت اللؤلؤة الكثيرة الثمن التي كانت مختبئة فيه. المجمع لبس الصوف المطلي، بينما الكنيسة ارتدت الرداء الملوكي.

لأن اليهودية ولدت المسيح، بينما المسكونة قبلته. المجمع غذاه بالنبوات، والكنيسة أخذته وأثمرت فائدة منه. في المجمع نبت فرع الكرم، بينما نحن تمتعنا بالكرمة الحقيقية. المجمع قطف العنب، والأمم شربوا الشراب السري. المجمع بذر بذرة القمح في اليهودية، والأمم حصدوا السنابل بمنجل الأيمان. الأمم بالأيمان قطفوا الرمّان، أما اليهود فبقى لهم شوك عدم الإيمان، العصفور طار، بينما الأغبياء يجلسون ويحرسون العش. اليهود يمسكون بالحرف والأمم يحصدون ثمار الروح.

"ها العذراء تحبل". أخبرني أيها اليهودي وقل لي من وَلَدتْ؟ أظهر شجاعة مثل شجاعتك التي أظهرتها أمام هيرودس. لكن ليست لديك شجاعة. وأنا أعرف لماذا. بسبب مكيدتك ودسيستك. لأنك تكلمت إلى هيرودس لكي تقتله (الطفل). لكنك لا تتكلم لي أنا وذلك لكي لا تسجد له.

إذن من وَلَدتْ ؟ من ؟ سيد الطبيعة. لأنه حتى لو صمْتَ أنت، فالطبيعة تصرخ. ولدته إذن كما أراد هو أن يُولد. ففي الطبيعة، لا توجد مثل هذه الإمكانية للميلاد (العجيب)، ولكن كسيد الطبيعة أبتكر أسلوب ميلاد عجيب، لكي يظهر أن ذاك الذي وُلد لم يولد كما يولد الإنسان، بل وُلِدَ كما يليق بالله. اليوم وُلِدَ من عذراء، والتي هزمت الطبيعة وتجاوزت قانون الزواج. لأنه كان يجب أن يأتي ملك البر بطريقة ميلاد طاهرة ومقدسة. لأنه هو الذي من البدء خلق آدم من أرض عذراء ومن آدم أيضًا خلق امرأة دون أن تكون هناك امرأة. تمامًا مثلما حصل آدم على زوجة دون أن تكون هناك زوجة، هكذا اليوم العذراء ولدت رجلاً بدون رجل. ولأن الجنس النسائي مدين بوجوده للرجال، فالمرأة خُلقت من آدم دون أن تتوسط امرأة، هكذا اليوم ولدت العذراء دون أن يتوسط رجل مسددة للرجال دين حواء. ولكي لا يفتخر آدم الذي بدون امرأة صارت له امرأة، هكذا فإن العذراء ولدت رجلاً بدون رجل، حتى أنه بالمعجزة المشتركة تصير المساواة في الطبيعة. لأنه كما أخرج الله المرأة من جنب آدم دون أن يُقلل أبدًا من آدم، هكذا صنع الهيكل الحي داخل العذراء دون أن يفسد عذراويتها.

لقد بقى آدم صحيحًا بعد أن أخذ ضلعًا من جنبه، وبقيت العذراء طاهرة بعد أن ولدت الطفل. ولهذا لم يخلق لنفسه هيكلاً من مكان آخر ولا خلق جسدًا آخر ولبسه، حتى لا يبدوا أنه يحتقر الطينة التي صنع منها آدم. لأن الإنسان عندما أنخدع صار أداة للشيطان، وأهان هذا الهيكل الحي الذي دُمِرَ، والله لأجل علاقته الحميمة مع الإنسان الذي خلقه أراد أن يبعده عن معاشرة الشيطان. والذي وُلد (من العذراء) لم يُولد مثل أي إنسان، لكن وُلد كإله. لأنه لو وُلد كما يولد الجميع، مثلما أُولد أنا بالضبط، سيعتبر من الكثيرين أكذوبة، ولهذا وُلد من العذراء. وبعد الميلاد بقيت الأم عذراء ونقية. حتى تصير طريقة الحمل العجيب سبب إيمان كبير. فلو سألني اليوناني أو اليهودي: هل المسيح الذي بحسب طبيعته إله يصير إنسانًا، بطريقة تفوق الطبيعة ؟. سأجيبه نعم، وأستدعي كشاهد على قولي هذا، الختم غير الدنس للعذراوية. لأنه هكذا هزم الله نواميس النظام الطبيعي. هكذا خلق بطن المرأة وخلق العذراوية، وابتكر طريقة غير دنسه لميلاده، وبنى لنفسه هيكلاً بطريقة لا يُعبّر عنها كما أراد هو.

أخبرني أيها اليهودي إذن هل العذراء ولدت أم لا؟ لأنه إن كانت قد ولدت، اعترف بطريقة الميلاد العجيب، ولو أنها لم تلد، فلماذا تخدع هيرودس ؟ لأنة عندما أراد أن يعرف أين يولد المسيح، قلت له في بيت لحم اليهودية (متى4:2). فهل أنا الذي عرفت المدينة أو الطريقة؟ وهل أنا علمت بقيمة ذاك الذي وُلد؟ ألم يتكلم إشعياء عنه أنه هو الله؟ لأنه يقول "وتلد ابنًا وتدعوا اسمه عمانوئيل" (أش14:7). هل تستطيعوا أيها الكتبة والفريسيين أن تعرفوا وأنتم حراس الناموس كل ما يتعلق به في الناموس ؟ وهل نحن نعرف لغة العبرانيين؟ ألم تفسروا أنتم الكتب؟ ألستم أنتم الذين ـ عندما ولدت العذراء وسألكم هيرودس ـ قدمتم شاهدًا من النبي ميخا لكي تؤكدوا كلامكم ؟ لأنه يقول " أما أنت يا بيت لحم أفراته وأنت صغيرة أن تكوني بين ألوف يهوذا فمنك يخرج لي الذي يكون متسلطًا على إسرائيل ومخارجه منذ القديم منذ أيام الأزل " (ميخا2:5).

حسن جدًا قال النبي " فمنك يخرج .." فكما أنه أتى منكم، وقُدم فيما بعد للأمم، هكذا فإن الله موجود وهو قبل الوجود وهو موجود على الدوام كإله ضابط الكل، ولكنه أتى منكم كإنسان يحكم الشعب، وكإله يخلص المسكونة.

هؤلاء هم الذين أظهروا أن الذي وُلِدَ هو الله، هم الذين أظهروا ذاك الذي أختبئ في المزود كسيد،هم الذين دون أن يقصدوا أعلنوا عن ذاك الذي وُجد في المغارة، ودون أن يقصدوا صنعوا به خيرًا، من حيث أنهم أظهروه، بينما هم أرادوا ألا يعلنوا عنه. أرأيت أيها المعلم الجاهل. أولئك الذين يعلّمون لم يعرفوا، وبينما هم جوعي يقدمون غذاء للآخرين، وبينما هم عطشي يسقون الآخرين، وبينما هم فقراء يغنون الآخرين.

إذن تعالوا بنا نحتفل ونفرح. بالحقيقة هو أمر عجيب أسلوب هذا العيد لأنه عجيب سبب الميلاد هذا، لأن اليوم حُلت رُبط الأزمنة البعيدة، إبليس خجل، الشياطين هربت، الموت بطل، الفردوس فُتح، واللعنة اختفت، الخطية طُردت بعيدًا، الخداع ابتعد، والحقيقة عادت مرة أخرى، وكلمة التقوى انتشرت في كل مكان، أسلوب الحياة السماوي نبت في الأرض، الملائكة يلتقون بالناس، والناس بلا خوف يتحدثون مع الملائكة. لماذا ؟

لأن الله أتى إلى الأرض والإنسان صعد إلى السماء، والله بكليته يوجد على الأرض. وإذ هو الإله صار إنسانًا دون أن يتوقف عن أن يكون إلهًا. إذ هو الكلمة غير المتحول، أخذ جسدًا، نعم أخذ جسدًا إنسانيًا لكي يسكن فينا. وبالتأكيد هو لم يصر إلهًا لأنه كان إلهًا ثم أخذ جسدًا إنسانيًا. حتى أن ذاك الذي لا تسعة السموات، يستقبله المزود. حتى أن ذاك الذي يعول الكون، يأخذ طعام الأطفال من الأم العذراء. ولهذا فأب الدهور الأبدية قبل أن يُحِملَ في الأحضان العذراوية كطفل يرضع، لكي يستطيع المجوس الاقتراب منه. اليوم أتى المجوس إلى المسيح، وضعوا بداية لرفضهم للطاغية (هيرودس)، وتباهت السماء لأن نجمها أظهر سيدها، والسيد يأتى فى الجسد، كما فوق سحابة رقيقة تسير نحو مصر. وواضح طبعًا أنه ذهب إلى هناك لكي يتجنب تسلط هيرودس، لكن في الحقيقة أكمل هذا الذي قيل من أشعياء " في ذلك اليوم يكون إسرائيل ثلثًا لمصر ولأشور بركة في الأرض، بها يبارك رب الجنود قائلاُ مبارك شعبي مصر وعمل يدي أشور وميراثي إسرائيل " (أش24:19).

ماذا تقول أيها اليهودي ؟ أنت الذي كنت أولاً صرت ثالثًا. المصريون والأشوريون وُضعوا في الأمام وإسرائيل البكر حُسِبَ بعد هؤلاء. نعم حقًا إن الأشوريين سيصيرون أولاً لأنهم سجدوا أولاً مع المجوس للمسيح، بينما المصريين سيوضعون بعد الأشوريين، لأنهم استقبلوه عندما لجأ إلى مصر هاربًا من طغيان هيرودس. وفي النهاية يوضع الشعب الإسرائيلي، لأنهم عرفوه بواسطة الرسل بعد عودته من الأردن. أتى إلى مصر وأربك أوثان مصر لا مصادفة، ولكن لأنه أغلق أبواب مصر بفقدان الأبكار. ولهذا فهو اليوم أتى كبكر، لكي يمحو حزن ذلك الحدث القديم الشنيع. أما أن المسيح دُعي بكرًا، فهذا يؤكده اليوم لوقا الإنجيلي قائلاً " فولدت أبنها البكر وقمطته وأضجعته في المزود إذ لم يكن لهما موضع في المنزل " (لو7:2). لجأ إذن إلى مصر لكي ينهي حزن ذلك الحدث القديم الشنيع، مانحًا بدلاً من الضربات، فرح، وبدلاً من الليل والظلام، نور الخلاص. كانت مياه النهر ملوثة وقتها بسبب ذبح الرضعان. أتى لمصر إذن ذاك الذي جعل ماء النهر في العصر السابق أحمر بالدم، وحول مياه النهر وسيلة الخلاص، منقيًا بقوة الروح هذه المياه الملوثة غير النقية. تعذب المصريون وساد عليهم الهوس ورفضوا أن يؤمنوا بالله. أتى إذن إلى مصر وملأ النفوس المتقية لله من معرفة الله. وبمياه هذا النهر صار هناك شهود للرب كسنابل القمح.

ولأن الوقت ضيق أريد أن أتوقف هنا عن الكلام، وأقول كيف وهو الكلمة غير المتألم، أخذ جسدًا، وبقيت طبيعته غير متغيرة. ماذا أقول أو كيف أتكلم ؟ أرى خالق، ومزود، وطفل، وأقمطة، وعذراء نفساء، دون أن يكون لديها ولا حتى الأمور الأكثر احتياجًا، كل شيء مليء بالعوز.

هل رأيت غنى وسط الاحتياج الشديد ؟ كيف وهو الغني، افتقر لأجلنا؟ كيف وُضع في مزود خشن ولا يوجد به سرير ولا فراش. أقول هو الفقر الذى هو ينبوع للغنى، وأقول الغنى الذى لا يحد، الذي يحمل غطاء الفقر. داخل المزود يرقد ويحرك الكون. داخل اللفائف قُمِطَ وهو الذي فك رُبط الخطية قبل أن ينطق بكلمة، علّم المجوس وحّركهم أن يعودوا إلى الله.

ماذا أقول وعن أي شيء أتحدث ؟ ها هو طفل ملفوف داخل أقمطة، موضوع في مزود، بالقرب منه توجد مريم التي هي عذراء وأم. وأيضًا بالقرب منه يوجد يوسف الذي يُدعى أبوه. يوسف يسمى رجل وهي تسمى امرأة، أسماء قانونية ولكن بدون رباط الزواج. فليذهب فكرك فقط حتى حدود الكلمات ولكن ليس إلى الحدث نفسه. قد خطبها فقط والروح القدس قد ظلّلها، ولهذا فإن يوسف مملوء بالدهشة ولم يعرف كيف يسمي الطفل. لم يستطع أن يقول كلمة تجديف ضد العذراء، ولم يقبل أن يجعله ابنه، لأنه لم يعرف كيف ومن أين وُلِدَ الطفل، ولذلك وهو في هذه الحيرة من نحو هذا الحدث تلقى إجابة من السماء برسالة من الملاك الذي قال " يا يوسف ابن داود لا تخف أن تأخذ مريم امرأتك لأن الذي حبل فيها هو من الروح القدس " (متى20:1) لأن الروح القدس ظلل العذراء.

لكن لماذا وُلِدَ من عذراء وترك عذراويتها بغير فساد ؟ لأن الشيطان قديمًا خدع حواء بينما كانت عذراء، ولهذا فإن جبرائيل حمل إلى مريم البشرى المفرحة بينما كانت عذراء.

حواء حينما خُدِعت خرجت منها كلمة صارت سببًا للموت، بينما العذراء مريم بعدما قبلت البشارة المفرحة، ولد منها كلمة الله بجسد إنساني، وهو الذي صار لنا سبب حياة أبدية.

الكلمة الذي أتي من العذراء أظهر الصليب، الذي به قاد اللص إلى الفردوس لخلاص أدم والبشرية. ولأن اليونانيون واليهود والهراطقة التابعين لهم لم يؤمنوا أن الله وَلَدَ ابنه بطريقة لا يُعبّر عنها وبدون أي تحول, لهذا وُلِدَ اليوم من جسد مُعرض للألم وحفظ الجسد الذي يعاني بلا تأثر لكي يظهر كيف وُلِدَ من عذراء ولم يفسد عذراويتها ، وهكذا بقى جوهر الله غير متغير و مقدس، وكإله ولد بطريقة إلهية.

ولأن البشر هجروا الله وصنعوا لأنفسهم أوثانا وعبدوها، محتقرين هكذا الخالق، لهذا فإن اليوم كلمة الله ـ بينما هو إله ـ ظهر على هيئة إنسان حتى يبطل الضلال ويعيد الإنسان إلى العبادة الحقيقية. فلنعطِ إذن المجد للمسيح الذي فتح الطريق الذي لم يكن أحد يستطيع العبور فيه من قبل. الذي له المجد مع أبيه الصالح، و الروح القدس الآن و كل أوان وإلى دهر الدهور آمين".

آمين، بشفاعة القديس يوحنا ذهبى الفم إرحمنا و خلصنا يا ربنا و إلهنا يسوع المسيح.

الاثنين، 21 ديسمبر، 2009

اكتشاف بيت الناصرة


إكتشف مجموعة من علماء الآثار اليوم فى اسرائيل، بيت يهودى يرجع للقرن الأول فى الناصرة بالقرب من كنيسة البشارة. و ذكرت وكالة "بى بى سى" عن هذا الإكتشاف:"يقول علماء آثار فى اسرائيل أنهم كشفوا النقاب عن بقايا أول منزل فى الناصرة يُعتقد أنه يرجع لعصر يسوع المسيح. الإكتشاف يلقى الضوء على كيف عاش الناس قبل ألفى سنة، الوقت الذى يعتقد المسيحيين أن يسوع عاش فيه. و قد وُجِد (المنزل) بقرب المكان الذى يُعتقد أن فيه أخبر الملاك جبرائيل مريم أنها ستحبل بيسوع" (أنظر موقع الوكالة هنا). قال ياردينا اليكساندر، مدير فريق الكشف الأثرى للموقع المُفوض من سلطة الآثار الإسرائيلية:"البناء الذى وجدناه صغير و متواضع، و من المُرجح جداً أنه نموذجياً لشكل المنازل فى الناصرة فى تلك الفترة" (عن وكالة "سى ان ان" هنا). و تابع اليكساندر عن أهمية هذا الإكتشاف قائلاً:"الإكتشاف له بالغ الأهمية لأنه يكشف لأول مرة عن بيت من القرية اليهودية الناصرة، و بذلك يلقى الضوء على طريقة الحياة فى زمن يسوع" (عن وكالة تيليجرافيك اليهودية هنا).

يمكنك متابعة الخبر كما هو منشور فى وكالات الأنباء العالمية: بى بى سى (و أنظر هنا ايضاً) – سى ان اننيويورك تايمزتيليجرافآسوشيتيد بريسوكالة تيليجرافيك اليهوديةاخبار صباح دالاسايه بى سى، و وكالات أخرى فى أخبار جوجل. و هذا موقع محلى من الناصرة يتكلم عن الموضوع بالعربية (شكراً لماريا من منتدى الكنيسة العربية).


الأحد، 20 ديسمبر، 2009

هل لفق العهد الجديد النبوات؟


"الراسخون فى العلم"
(8)
هل لفق العهد الجديد النبوات؟
بول كوبان


فى هذه المقالة يحدثنا العالم القدير بول كوبان، رئيس قسم الفلسفة و اللاهوت الأخلاقى بجامعة بالم بيتش (انظر موقعه هنا)، عن مفهوم "النبوة" و كيفية إتمامها فى العهد القديم. يعرفنا هذا العالم، أحد أكبر الفلاسفة المسيحيين فى العالم اليوم، أن مفهوم إتمام النبوة أوسع و أشمل من مجرد الإتمام الحرفى لنبوة معينة هنا و هناك فى العهد القديم. مصدر هذه المقالة هو مرجع هذه السلسلة (راجع الجزء الأول منها): الكتاب المقدس الدفاعى، ص 1408 – 1409.


هل لفق العهد الجديد النبوات؟
بول كوبان
رئيس قسم الفلسفة و اللاهوت الأخلاقى بجامعة بالم بيتش
فلوريدا، الولايات المتحدة الأميركية


ربما تكون قد تعجبت حول لما يبدو أن بعض مؤلفى اسفار العهد الجديد يأخذون أعداد العهد القديم خارجاً عن سياقهم فى العهد القديم ليجعلوهم يتوافقون مع اللاهوت الذى يقدمونه حول تعاليم يسوع أو خدمته. و النُقاد يصرخون و يتهمون هذه الممارسات بـ "نبوات مُفبركة" تُشير أصلاً إلى أشياء أخرى غير مجىء المسيا. مثلاً، سياق النص فى:"من مصر دعوت ابنى" (هو 11 : 1) يُشير إلى خروج اسرائيل من مصر، و لكن متى يقول أن "الابن" كان يسوع الخارج من مصر (مت 2 : 15). و نص:"العذراء تحبل و تلد ابناً" (اش 7 : 14) تُشِير بشكل مباشر إلى زمن الملك أحاز، حيث سيُولد طفل كعلامة فى حياة اشعياء النبى (7 : 15 – 16؛ 8 : 4)، و لكن متى يقول أن مريم هى العذراء التى أتمت نص اشعياء (مت 1 : 22 – 23). و دموع راحيل (ار 31 : 15) تُشِير غالباً إلى الحداد على مملكة يهوذا حيث قد تم سبيها بواسطة البابليين فى عام 586 قبل المسيح، و لكن متى يتكلم عن دموع الأمهات بعد قرار هيرودس بقتل كل الاولاد دون السنتين فى بيت حلم حيث دُفِنت راحيل (مت 2 : 18).

يقول النقاد – و المسيحيين أيضاً – أن النبوة Prophecy تعنى "التوقع" Prediction و الإتمام يعنى "تحقيق التوقع". و إنطلاقاً من هذا الأساس، يصل النقاد إلى أن هذه النبوات هى "تنبؤات مفبركة". و لكن هذا الإتهام تأسس على خطأ كبير جداً، و فى بعض الأوقات يقع فيه المسيحيين أيضاً:

· أولاً، إذا أراد مؤلفى كتب العهد الجديد أن يسرقوا نصوص من العهد القديم ليثبتوا لاهوتهم، فلماذا، مثلاً، لا يقوم لوقا – الذى يذكر الميلاد العذراوى – بإقتباس نص اش 7 : 14 كما فعل متى؟ و نفس السؤال يمكن سؤاله حول مقاطع أخرى مشابهة.
· ثانياً: التفسير اليهودى للعهد القديم فى زمان يسوع، كان يرى مفهوم "الإتمام" بشكل أوسع و أعرض بما يعكس تنوعات و فروقات دقيقة. و طريقة الإقتراب الحرفية من النص كانت مجرد وسيلة واحدة منهم.
· ثالثاً: و هو الأهم، أن كلمة "يتمم" (بلييروو فى اليونانية) فى العهد الجديد تُستخدم لتصور يسوع كمن يحمل التحقيق التام لأحداث العهد القديم أو خبراته (الخروج، العهد)، الشخصيات (يونان، سليمان، داود)، و العمل المؤسساتى (الهيكل، الكهنوت، الذبائح، الأيام المقدسة).

فالفعل "يتمم" لا يعنى بالضرورة ولا حتى بالدرجة الأولى للإتمام المجرد للتوقع. على العكس، فإن هناك نقطة لاهوتية يتم وضعها: الكثير من أحداث العهد القديم و أعماله المؤسساتية – التى ترتبط عادةً باسرائيل – هى عبارة عن ظلال لشىء ما أكبر و أعظم فى المسيح و المجتمع الجديد الذى أسسه (مثل دعوة المسيح للتلاميذ الإثنى عشر، و هو يتمم تذكار الأسباط الإثنى عشر فى اسرائيل). فيسوع هو الابن الحقيقى المحبوب الذى فشل اسرائيل فى أن يكونه (هو 11 : 1 و قارن مع مت 2 : 15؛ لو 3 : 22)، و هو الراعى الذى لم يستطع قادة اسرائيل أن يكونوه (حز 34 و قارن مع يو 10 : 1 – 18)، و هو الكرمة الحقيقية الأصيلة الحاملة للثمار التى لم يكونها اسرائيل (مز 80 : 8، 14؛ اش 5 : 1 – 7 و قارن مع يو 15 : 1 – 11).

و فى خدمته، كان يسوع يعيد تقنين تاريخ و خبرات شعب اسرائيل و لكن على مستوى أكبر و أعلى، مثل التجربة فى البرية للأربعين يوماً، و إعطاء "ناموس" جديد على الجبل فى متى 5 – 7، و البقاء فى "بطن" الأرض لمدة "ثلاث أيام و ثلاث ليال". لقد أخذ يسوع قدر و دور اسرائيل، حتى يأتى باسرائيل لمرحلة "الإتمام". ناموس موسى به الكثير من التنبؤات المسيانية، و لكن إتمام يسوع للناموس (مت 5 : 17؛ لو 24 : 44) يُشِير إلى إحضاره لإسرائيل ليتمم هذه التنبؤات فى شخصه.

بالتأكيد هناك تنبؤات حول مكان ميلاد المسيا (مثل ميخا 5 و قارن مع مت 2 : 5)، و حول موت المسيا و كفارته (اش 53)، و مجىء النبى المُرسل (تث 18؛ مل 3). و لكن إتمام العهد القديم يُشِير بشكل عام للفكرة الأوسع و الأعرض للتشخيص الكامل، التمثيل الكامل، تشكيل نموذج أو تحقيق الذروة لإسرائيل. كمثال، بينما يقتبس يسوع (اش 29 : 13) قائلاً ليهود يومه غير المؤمنين به:"يَا مُرَاؤُونَ! حَسَناً تَنَبَّأَ عَنْكُمْ إِشَعْيَاءُ قَائِلاً: يَقْتَرِبُ إِلَيَّ هَذَا الشَّعْبُ بِفَمِهِ وَيُكْرِمُنِي بِشَفَتَيْهِ وَأَمَّا قَلْبُهُ فَمُبْتَعِدٌ عَنِّي بَعِيداً" (مت 15 : 7 – 8). بالتأكيد لم يكن يتوقع اشعياء حرفياً أن يسوع سوف يتعامل مع القادة الدينيين بشكل عدائى، بل على العكس، كان يسوع يستخدم الموقف من زمن اشعياء حتى يمثل و يشخص و يشكل نموذجاً لنفس الموقف فى زمانه.

لقد كان هذا هو النموذج المثالى حول كيفية تكلم يسوع عن "الإتمام"، و هى طريقة عبارة عن "هذا هو ذلك" تُسمى "بيشير" Pesher: هذا الموقف هو إتمام أو تشخيص لهذا النص المقدس (ملحوظة من المترجم: كلمة "بيشير" هى كلمة عبرية و هى تعنى هذا الاسلوب من التفسير، و قد وردت بهذا الاسم فى تفاسير الأسفار المقدسة الموجودة فى مخطوطات البحر الميت، و تعنى حرفياً "تفسير" و لكن تميزت هذه النوعية من التفاسير بهذا الإسلوب فى مخطوطات البحر الميت، فأطلق عليها العلماء وسيلة بيشير أو منهج بيشير).

لم يكن مؤلفى العهد الجديد ناس فاسقين أو جهلة حتى يلفقوا من العهد القديم. لم يقم هؤلاء بشق المقاطع من سياقاتها بطرق غير شرعية ثم يكيفونهم بشكل منحرف ليكونوا توقعات مسيانية. لقد كانوا على دراية كاملة بأن مؤلفى اسفار العهد القديم، مثل هوشع، يعلقون على أحداث فى تاريخ اسرائيل الماضى (مثل الخروج فى هو 11 : 1 "من مصر دعوت ابنى") أو أحداث معاصرة لأزمنتهم. و لكن مؤلفى العهد الجديد، و قبلهم يسوع، فسروا العهد القديم بطريقة "مركزية المسيح" Christocentric، أى أن: يسوع هو المُشخِص أو المكمل لأحداث تاريخ العهد القديم، صوره، و شخصياته الظلالية.

بينما الإتمام يشمل التوقعات الحرفية للمسيح و العهد الجديد، فإنه يذهب لأكثر من ذلك ليصل إلى تشخيص لاهوتى أغنى من مجرد ظلال العهد القديم.

السبت، 19 ديسمبر، 2009

متى صُلِب المسيح؟


هذا بحث جميل جداً، قام به د. عدنان طرابلسى، اللاهوتى الأرثوذكسى الشهير (من الكرسى الأنطاكى)، حول وقت صلب المسيح. يقدم د. طرابلسى فحص شامل و متكامل لكافة النظريات الموجودة فى الساحة العلمية حول توقيت صلب يسوع: السنة، الشهر، اليوم، و الساعة. ورد هذا البحث كملحق فى كتاب:

شرح انجيل متى، القديس يوحنا ذهبى الفم، الجزء الثالث، ترجمة د. عدنان طرابلسى، الطبعة الأولى 2004، ص 261 – 279.

النتيجة التى توصل لها د. طرابلسى هى:"إذاً نستطيع أن نقول بدرجة عالية من اليقين نسبياً إن الرب يسوع قد صُلِب الساعة الثانية عشرة ظهراً و أسلم الروح الساعة الثالثة من بعد ظهر يوم الجمعة الواقع فى 14 أبيب من العام 30".

و قد قام الأخ العزيز اليكسيوس (من الشبكة الأرثوذكسية العربية الأنطاكية) بإرساله لى بعدما قام بعمل مسح ضوئى له، فليعوضه الرب تعب محبته الغزيرة. يمكنك تحميل البحث فى شكل ملف PDF من هنا.

تريجليس حول الخاتمة


فى القرن التاسع عشر، عاش عالم كبير فى النقد النصى يُدعى تريجليس. قام تريجليس بوضع إصدار نقدى للعهد الجديد اليونانى، بجانب أهم كتبه عن تاريخ إصدارات العهد الجديد اليونانى من ايرازموس و حتى لاشمان. فى هذا الكتاب وضع تريجليس تعليقات نصية رائعة، و لا تكمن أهميتها فى الدليل المطروح، إذ هو لدينا الآن فى توسع أكثر، إنما فى التفسير الذى يضعه تريجليس للدليل كعالم مسيحى مؤمن بوحى و سلطة الكتاب المقدس.

يعتقد تريجليس أن قصة المرأة الزانية، رغم أنها ليست جزء من النص المقدس فى الأصل، إلا أنها قصة تاريخية حقيقية. رغم ذلك، لا يرى أى سبب لضرورة وجود القصة فى النص المُعاد تكوينه. و لكن يرى تريجليس أن خاتمة مرقس، رغم أنها ليست بقلم مرقس، إلا أنها جزء من النص المقدس الذى أوحاه الله. بعد أن عرض تريجليس البرهان النصى، تكلم بنوع من التفصيل حول كيفية تفسير وضع الخاتمة فى الكتاب المقدس اليوم. دعنى أقدم لك هذا التفسير للدليل النصى كما وضعه تريجليس، فى كتابه:


Samuel P. Tregelles, An Account of The Printed Text of The Greek New Testament, Samuel Bagster & Sons Co.: London 1854, P. 258-261

و إليك نصه:

"لقد تم الإستدلال بقوة كبيرة على أن محتويات هذا المقطع لا يمكن أن يكون قد أُضِيف فى عصر لاحق على العصر الرسولى، و أن الصعوبات الموجودة فيه تقدم افتراض أنهم تاريخ حقيقى: و قوة هذا الإستدلال قوية لدرجة أننى لا اعرف كيف يمكن تغاضيه؛ فلو أن هناك كاتب ما وضع نص يحتوى على صعوبات كتكملة لإنجيل مرقس، فإنه من الصعب تخيل أن معاصريه قبلوا و نقلوا هذه الإضافة إلا على أساس حقائق معروفة و ثابتة حول ما تم تسجيله فى الإضافة. إذا كان هناك نقاط معينة موجودة فى الإضافة ليس من السهل توفيقها مع سرد الأناجيل الأخرى، فإن الإحتمالية ضعيفة أن يقوم كاتب بوضع القصة و يقبلها الآخرين إلا إذا كانت تحوى تاريخاً أصلياً فى الواقع. و بهذا تم تأكيد المقطع بنقاط الصعوبة الواقعية أو المُقترحة الموجودة فيه.

إذن، فبما أن حقائق هذه القضية موجودة، و القبول المبكر و إنتقال النص يدعم أصالته، و بما أنه قد وُضِع من القرن الثانى على الأقل فى نهاية إنجيلنا القانونى الثانى، و أيضاً بالمثل، كما أن إنتقاله قد حدث فى ضوء الشهادة المستمرة بأن هذا المقطع لم يكن جزء من الكتاب الذى كتبه القديس مرقس فى الأصل، و بما أن هاتين النقطتين قد تم تأكيدهما بعوامل داخلية؛ فإن هذا يترتب عليه النتائج الطبيعية التالية التى تندرج من الإفتراضات التى تم ارسائها:

1- أن كتاب مرقس نفسه ينتهى بـ "كن خائفات" (16 : 8).
2- أن الأعداد الإثنى عشر المتبقية، أى كان من هو كاتبهم، لديهم إستحقاق كامل ليتم قبولهم كجزء أصيل من الإنجيل الثانى، و أن القبول التام فى الشهادة المتوفرة من الكنيسة الأولى فى هذه المسألة لا يتضمن على الأقل رفضهم كجزأ من النص المقدس القانونى.

يمكن أن يُقال فعلاً أن هذه الأعداد قد كتبها القديس مرقس فى فترة لاحقة، و لكن حتى بهذا الإفتراض، فإن حقيقة أن الكتاب قد إنتهى ذات مرة عند العدد الثامن سوف تبقى، و الفرض بأن نفس الإنجيلى قد أضاف الخاتمة سوف يتضمن صعوبات جديدة، بدلاً من أن يزيل الصعوبات الموجود أولاً.

هناك فى بعض العقول نوع ما من الجب تجاه النص المقدس، و كأن كل أدلتنا فى سلطة هذا النص المقدس تعتمد على معرفتنا من هو كاتب كل مقطع معين؛ بدلاً من أن ننظر ببساطة أننا نمتلك الكلمة التى اعطاها الله، و أنها كلمته هو تماماً كما كلمات الوصايا العشر للناموس التى كتبها بإصبعه على لوائح الضخر. العديد من كتب الكتاب المقدس لا نعرف من هم الكّتّاب الذين كتبوهم، و مع ذلك فإن هذا ليس سبباً للتشكيك فى سلطتهم على أقل تقدير. إذا كنا سنحاول أن نخلق ثقتنا فى أشياء لا يوجد عليها دليل، فسوف نجد أنفسنا نضع التخمين فى مكان الدليل. هناك من قبل الرسالة للعبرانيين فى الكنيسة الأولى، و لكن بدلاً من أن يقولوا أن كاتبها هو بولس الرسول، و هى النقطة التى لا يوجد عليها دليل، أصروا قائلين "الله وحده يعلم الكاتب الحقيقى". و مع ذلك، فإن فى وقتنا الحاضر، رغم أنه لا يوجد أى دليل جديد، فإن للكثيرين الشك أو عدم الإعتقاد أن القديس بولس هو كاتب الرسالة نفسه، و الشك أو عدم الإعتقاد فى سلطة الرسالة القانونية، هو شىء واحد فقط بالنسبة لهم. و لكن هذا الإسلوب فى التعامل مع النص المقدس مختلف جداً عن الإسلوب الذى يجب أن نجده لدى الذين لديهم الرسالة ككلمة الله.

و لهذا فأنا أنظر لهذا المقطع كإضافة أصيلة أضافها كاتب غير معروف لما كتبه مرقس عن تعليم القديس بطرس (كما نعلم من شهادة معاصريهم، يوحنا الشيخ)؛ و أن هذا المقطع يجب أن يُستلم كجزء من إنجيلنا الثانى، مثلما نقبل الإصحاح الأخير من سفر التثنية كالخاتمة الصحيحة و المناسبة لكتب موسى، و هو الإصحاح الذى لا نعرف من هو كاتبه.

لا أستطيع أن أقول سوى أن الكثيرين من المعتقدين فى الحقيقة المستقيمة و الإنجيلية يضيقون مجال رؤيتهم للنص المقدس بمعاملتهم للنص المقدس (ربما دون إدراك) كأنما يجب أن نأخذ الأفكار والعقل وقياس فهم كل كاتب أعطاه الروح القدس على حدى. لكن هذا سيعوق إستلامنا للنص المقدس عملياً، بمعناه الكامل، بإعتباره من الله؛ أى أنه نص مُوحى به. لأنه إذا كان نص مُوحى به، فإن الكاتب الحقيقى الكامن فيه هو الله، و ليس الكاتب بشخصه، سواء كان هذا الكاتب معروف أم غير معروف.

نحن نعرف من يوحنا الشيخ عن مصدر إنجيل مرقس أنه تسجيل لتبشير بطرس الرسول الشفوى؛ و نحن لدينا شهادة تلميذ هذا المسيح الذى عاش طويلاً حينما كان على الأرض (فى تسجيل هذه الحقيقة): أن مرقس لم يخطأ فى أى شىء. و لكن حتى مع وجود هذه الحقيقة، أن مرقس لم يخطأ فى شىء، فإننا لو إعتقدنا فى التأليف البشرى المجرد، فإن اسئلة كثيرة ستتغير؛ و لكن إذا قبلنا الوحى كحقيقة، فإن الفحص فى علاقة المؤلفين البشريين سيصبح أمر ثانوى فى أهميته. و هذه هى القيمة الحقيقية: أن نعرف أن الرسل قد حملوا الشهادة لما رأوه من أعمال المسيح، و أنهم قد أُوحِى لهم ليكتبوا كشهود عيان و سماع بأفعاله و تعليمه. و لذا من الهام أن نعرف أن فى هذا الإنجيل نحن لدينا شهادة بطرس التى أكدها يوحنا الشيخ؛ و لكن القيمة الجوهرية الحقيقية لتسجيل حياة يسوع للتعليم المستمر للمؤمنين، هى وحى الروح القدس الذى يكون كتابات معينة فى النص المقدس.

هذه النصوص التى قُبِلت بالأصل بناء على خلفيات جيدة كهذه، و التى إنتقلت لنا بتأصيل، نستطيع أن نقبلها بثقة و تقدير، حتى لو كنا لا نعرف القلم الذى سجلهم".

إنتهى نص كلام تريجليس، و لعل الرسالة تحتاج إلى توضيح. إن المبدأ الذى يعتمده تريجليس هو أن هذه الخاتمة، أى الخاتمة الطويلة (16 : 9 – 20)، هى خاتمة تم قبول قانونيتها فى الكنيسة الأولى منذ القرن الثانى "على الأقل". و فى نفس الوقت، فإن هذا القبول صاحبه شهادة مستمرة على أن كاتب هذه الخاتمة ليس هو مرقس. بناء على ذلك، يبنى تريجليس قضيته على نقطتين: الأولى هى أن هذه الخاتمة قُبِلت قانونيتها منذ القرن الثانى، و الثانية هى أن الدليل التاريخى يقول أن مرقس لم يكتب هذه الخاتمة.

يبدأ تريجليس بعد ذلك فى التوضيح للقارىء أن هناك فارق بين كاتب النص و قانونية النص. ليس معنى أن الكاتب ليس هو مرقس أن النص ليس قانونياً و ليس نصاً مُوحى به. و يعطى مثالاً على ذلك، و هو الرسالة إلى العبرانيين. يؤكد تريجليس أن من قبل قانونية الرسالة إلى العبرانيين، هو نفسه الذى قال أن الله وحده هو الذى يعلم كاتبها، فى إشارة إلى اوريجانيوس. و لذلك يدعو القارىء إلى عدم الوقوع فى خطأ الخلط: ليس معنى أن كاتب النص ليس مرقس هو أن النص غير قانونى. و بناء على أن هذا النص، الذى يحتوى على صعوبات تفسيرية بالغة بالمقارنة مع بيانات القيامة الموجودة فى بقية الأناجيل، قد ظهر فى خلال العصر الرسولى، و قد إستلمته الكنيسة دون تردد، فإن يجب علينا أن نفسر سبب قبول الكنيسة لهذا التاريخ المُسجل فى الخاتمة رغم أنه ليس بقلم مرقس. يضع تريجليس هذا التفسير على أنه "حقيقة التاريخ" المُسجل فى هذا النص.

إن الجوهر الرئيسى لإحتجاج تريجليس هو: ليس معنى أننا لا نعرف الكاتب أن النص ليس وحياً من الله. و فى هذا نلاحظ أن تريجليس لم يتعرض للوحى سواء بماهيته أو إستدلاله، نظراً لأن الضمان الوحيد على أن هذا الكتاب هو كلمة الله هو معرفة الفرد الشخصية بالله. لا يجب أن نستغرب ذلك أبداً، لأن الدليل قاصر و لن يسير الرحلة كلها، و سنحتاج عند حد معين أن نكملة المسيرة نحو الله بإيماننا و ثقتنا التى وضعناها فيه.

يمكنك معرفة تفاصيل أكثر فى كتاب "خاتمة مرقس بين النقد و دحض النقد" و الذى يحتوى على نظريتى الخاصة بأن مرقس هو الكاتب، و أيضاً مقال "قراءة ثانية للخاتمة و الزانية" الذى ستجد فيه دفاعاً منهجياً عن قانونية الخاتمة، جنباً إلى قصة الزانية.

المؤرخ و الإعجاز


لا اعتقد أنه هناك حدث شغل الشارع المصرى فى الاسبوع الماضى أكثر من "ظهورات العذراء" فى أحد كنائس منطقة الوراق بمحافظة الجيزة. الآراء كثيرة جداً، المسيحيين سعيدين بالظهور، مؤكدين أنه ظهور للقديسة العذراء مريم. و بغض النظر عن من هو الذى ظهر بالضبط، هل العذراء أم آخر، فإن الذى لاحظته هو أن هذا النور لا يمكن أن يكون مصطنع. النور الذى ظهر ليس منتظماً من أى جانب مما يعنى أنه ليس نوراً مُصطنعاً. هناك من المسيحيين من قال أن الذى ظهر هو العذراء، و هناك من المسيحيين أيضاً أن من ظهر هو الشيطان. على أى حال، لم أكتب هذا الموضوع حتى أقول من الذى ظهر. إنما وجدت هذا الحدث فرصة رائعة لمعالجة موضوع "المعجزة" تاريخياً.

هناك قطاع من المفكرين، من الملحدين، لا يعتقدون فى وجود ما هو "خارق للطبيعة" Supernatural. ببساطة، نظراً لأنهم لا يؤمنون بوجود الله، متمسكين بالطبيعة و المادة فقط naturalism. حادثة الظهور التى نشهدها الآن، بغض النظر عن من هو الذى ظهر، هى شىء "خارق للطبيعة". و الشخص الذى ينكر الإعجاز سيرفض حقيقة هذا الظهور تلقائياً، قبل أن ينظر فى الموضوع حتى!

المشكلة الآن هى أن هناك دليل يقول أنه حدث ظهور. لدينا بيانات من شهود عيان، لدينا تقارير اخبارية عن الحدث، لدينا ملفات فيديو صورت الحدث، لدينا شاهد "غير مسيحى" كان هو أول من نظر الحدث. كيف سيستطيع منكر الإعجاز أن يفسر هذه الأدلة؟ ببساطة سيقول: أى شىء إحتمالية حدوثه أكبر جداً من إحتمالية حدوث المعجزة. بكلمات أخرى، أى شىء تستطيع تخيله يمكن أن يتم فى إطار طبيعى هو أقوى إحتمالياً من الإعجاز. لكن الذى يرد على هذا المنهج هو أن قوة الإحتمالية تُقاس بمدى قابلية التفسير المطروح للتطبيق على كافة الأدلة المتوفرة. إن أفضل تفسير للدليل هو التفسير الذى يفسر "كل" قطعة من الدليل، ولا يترك قطعة منه. أفضل تفسير هو الذى لا يعتمد فرضيات لا يشهد بها الدليل المتوفر. مثلاً، قد يأتى أحدهم و يقول أن هذا النور الذى ظهر هو مجرد ليزر. حسناً، أين دليل من البيانات المتوفرة؟ نعم، ممكن أن يكون مجرد ضوء ليزر. و لكن هذه الإمكانية لها إطار معين: كل شىء تستطيع تخيله هو ممكن الحدوث! ما دمت تستطيع أن تتخيل أن عصير البرتقال غداً سيكون بطعم المانجو، فإن هذه إمكانية. و لكن ما هى إحتمالية حدوث هذا الأمر؟ هذا الأمر يتم قياسه على الدليل المتوفر، و هو الخبرة الماضية. هل حدث أن فى يوم من الأيام صحوت وجد عصير البرتقال أصبح مانجو؟ لا، و لهذا فإن إحتمالية حدوث هذا الأمر ضئيلة جداً. و نفس الأمر ينطبق على حادثة الظهور: هل يمكن أن يكون ضوء الليزر هو مُسبب النور الذى ظهر؟ ضوء الليزر لن يخلق نوراً عشوائياً، لن يخلق نوراً غير مُرتب، و لن يخلق نوراً غير منتظماً، و هذا هو ما نراه فى كل ملفات الفيديو الخاصة بالظهور. كذلك فإن ضوء الليزر لن يفسر ما رآه شهود العيان الذى كان أولهم شاب "غير مسيحى"، أى شاب لا يوجد لديه أى دوافع بالمرة حتى يمجد المسيحية. هل ضوء الليزر يستطيع تفسير شهادته؟ لا. نفس الأمر ينطبق على شهادة مذيع غير مسيحى، مثل عمرو اديب، الذى أكد أنه لم يعهد نوراً مُصطنعاً بهذا التشوش أبداً. هل ضوء الليزر يفس شهادته؟ بالتأكيد لا. لذلك أعتقد أن مضادة الإعجاز هو أمر غير سليم عقلياً.

نفس الأمر ينطبق على معجزات يسوع!

أحد القواعد التى استخدمها سيمينار يسوع لكى يعينوا الكلمات و الأفعال الأصلية ليسوع هى عدم وجود ما هو خارق للطبيعة. المعجزات و النبوات و ما إلى ذلك، هى أمور خارقة للطبيعة، و بالتالى لا يمكن أن تكون حقيقية. هذه هى القاعدة، و هى مجرد إفتراض مُسبق أن هذا العالم لا يحدث به معجزات. فبحسب كلماتهم، الرؤية الكونية التى يعرضها الكتاب المقدس عن يسوع، و هى المعجزات و النبوات، لا يمكن أن يقبلها من رأى الفضاء الخارجى فى تيلسكوب جاليليو! و قبل سيمينار يسوع بنحو نصف قرن من الزمان، قال رودولف بولتمان أننا يجب أن نفصل فصلاً تاماً بين مسيح الايمان و يسوع التاريخ، لأن من عاش فى عصر يستخدم الكهرباء للإنارة، لن يقبل أبداً أن يقوم أحد من الموت ثانيةً!

هكذا، و بإفتراض مُسبق، تم تقرير القاعدة عن طريق فكرة عقلية فقط، و هى "الطبيعية". بذلك قد القينا القضية بالكامل من النافذة قبل أن نجلس على مكاتبنا ندرس الدليل المتوفر، كما يقول وليام لين كريج.

هل لديك تفسير للدليل أفضل من الإعجاز، فى الظهور الحالى و فى ظهورات أخرى حدثت منذ ألفى عام؟

الجمعة، 18 ديسمبر، 2009

مدخل ايرمان (1)


بدأت بالأمس فى قراءة أولى فصول كتاب ايرمان "العهد الجديد: مقدمة تاريخية للكتابات المسيحية الأولى"، و قد أنهيت أمس و اليوم القراءة حتى الفصل الخامس (أى إلى ص 74). يتكون الكتاب من ثلاثين فصلاً، مُوزعة على كافة أسفار العهد الجديد. و عبر صفحات الكتاب، وضع ايرمان بعض الأدوات الظريفة التى تساعد على تذكر المعلومة، مثل: "الصندوق" Box و هو عبارة عن صندوق تجده كل عدد من الصفحات حيث يتكلم فيه ايرمان ببعض التفصيل عن معلومة معينة، و "لمحة" At A Glance و هو عبارة عن ملخص فى نهاية كل فصل للنقاط التى تم تناولها و شرحها فى الفصل، و "استطراد" Excursus و يشرح فيه ايرمان موضوع ذى صلة لم يتناوله بالتفصيل فى سرده. و تأتى أول خمسة فصول من الكتاب كدراسة شاملة جداً للعالم الذى خرج فيه العهد الجديد: المسيحيين الأوائل، العالم اليونانى و الرومانى، العالم اليهودى، التقليد الشفهى للأناجيل، و الماهية الأدبية للأناجيل الأربعة.

الفصل الأول "ما هو العهد الجديد؟ المسيحين الأوائل و أدبهم" (ص 1 – 16)، و هو بمثابة مقدمة تعريفية للعهد الجديد و المسيحيين اللذين عاشوا فى القرن الأول و الثانى، و يرتكز بشكل خاص على مفهوم "المسيحيات المفقودة". بحسب ايرمان، لم تكن المسيحية فى القرن الأول و الثانى موحدة و إنما كان هناك أشكال و أنماط مختلفة لها، فمنهم: التبنويين، الإبيونيين، الغنوصيين، و الأرثوذكس الأوائل (و هو المصطلح الذى رأيته مناسباً لترجمة مصطلح ايرمان Proto-Orthodox). و قد كان إستفزاز ماركيون للأرثوذوكس الأوائل هو الذى دفعهم لوضع "قانون" للعهد الجديد، أى:"مجموعة من الكتب مقبولة ككتب سلطوية بواسطة هيكل دينى معين" (ص 2). و تنوع أشكال و أنماط المسيحية ظهر فى العديد من الكتابات التى وجد البعض منها فقط طريقه للعهد الجديد. لهذا قام الأرثوذكس الأوائل بوضع القانون حتى يتسنى لهم إعلان أن رؤاهم هى الموجودة فى كتابات تلاميذ يسوع.

الملفت فى هذا الفصل هو الموضوع الذى ناقشه ايرمان فى "الاستطراد" و هو بعنوان "المؤرخ و المؤمن" (ص 14 - 15). و فيه يلقى ايرمان كلمة للقارىء المؤمن الذى سيقرأ كتاب يدرس العهد الجديد بكونه مجرد وثائق تاريخية فقط. و فى هذا الاستطراد ينصح ايرمان القارىء بالفصل بين الايمان و البحث التاريخى. و يعطى مثالاً، ضمن أمثلة أخرى، بأن المؤرخ يستطيع أن يقول لك أن يسوع قد مات بالصلب، و لكنه لا يستطيع أن يقول لك أنه مات بالصلب حتى يخلص العالم، لأن هذه عقيدة إيمانية و ليست تاريخاً. و لكن ليس معنى هذا أن المؤرخ لا يجب أن يكون مؤمناً، و لكنه حينما يقول لك أن يسوع مات على الصليب لأجل غفران الخطايا فهو يقول لك هذه المعلومة بصفته مؤمن، و ليس بصفته مؤرخ. قد يجد المؤرخ ما يتوصل له متوافق مع ايمانه، و قد يجده متعارض مع ايمانه. فى بعض الحالات يرفض المؤرخ ايمانه، فى حالات أخرى يقبل المؤرخ غير المؤمن الايمان، و فى حالات أخرى يكيف المؤرخ معتقداته بحسب ما يقوله الدليل التاريخى.

فى رأيى، فإن هذا الإستطراد فى هذا المكان من المقدمة جميل جداً، لأنه يدعو القارىء "منذ البداية" للفصل بين ايمانه المبنى على الاختبار الروحى و الذى يستخدم الكتاب المقدس فى عملية النمو، و بين الدراسة الأدبية و التاريخية للعهد الجديد، و التى قد يكون لها أثر على ايمان الفرد، سواء بالإيجاب أو السلب. و أنا شخصياً إستفدت جداً من تذكير ايرمان هذا. و لعل هذه التَذكِرة فى بداية الكتاب (ص 14 – 15) أفضل بكثير من أيرادها فى آخر الكتاب (كما فعل فى كتاب "يسوع أُعتُرِض" حيث أورد نفس الإستطراد تقريباً و لكن فى شكل مطول فى الفصل الثامن، ص 269 – 283).

و فى نهاية كل فصل، يضع ايرمان المصطلحات الرئيسية التى وردت فى الفصل، و لكن لا يقدم شرحاً لها، إذ أنه قد شرحها بالفعل فى الفصل، و قد خصص ملحقاً لشرح مصطلحات الكتاب فى النهاية (ص 501 – 514). و من ضمن المصطلحات الرئيسية التى يضعها ايرمان فى نهاية الفصل الأول: التبنويين، الرؤيا، قانون، هرطوقى، مخطوطات، الأرثوذكس الأوئل، نجع حمادى، و التوراه.

و يتبع المصطلحات الرئيسية فى كل فصل، اقتراحات ايرمان للكتب التى تتناول موضوعات الفصل بالتفصيل. و فى الفصل الأول، جاء كتاب والتر باؤر "الأرثوذكسية و الهرطقة فى المسيحية الأقدم" فى المقدمة. و الملفت للنظر، هو أن ايرمان يضع كتابين له فى هذه القائمة، و هما "المسيحيات المفقودة"، و "الإفساد الأرثوذكسى للنص المقدس". و من ضمن الكتب الأخرى التى يقترحها ايرمان: "قانون العهد الجديد" لميتزجر، و هو الكتاب الذى يلقبه بـ "المناقشة السلطوية" Authoritative Discussion لقانون العهد الجديد، و كتاب ايلين باجيلز المثير جداً "الأناجيل الغنوصية".

و بشكل عام، طباعة الكتاب راقية جداً، مما قد يوحى لك بثمنه!

الخميس، 17 ديسمبر، 2009

مدخل ايرمان


أكثر نوعية الكتب الموجودة فى مكتبتى هى المداخل للعهد الجديد. المقدمتين الإنجيليتين الرئيسيتين فى الكليات و المعاهد اللاهوتية هما مقدمة جوثرى و مقدمة كارسون و مو. لكن هذه المقدمات لا تتناول تتطبيق فروع النقد الكتابى على اسفار العهد الجديد بشكل متكامل، و فى الحقيقة لا يوجد مدخل للعهد الجديد حتى الآن يتناول تطبيق فروع النقد الكتابى بالكامل على العهد الجديد. و لكن هاتين المقدمتين تهتمان بشكل رئيسى بنقد القانون و نقد المصدر، هذا بجانب الهدف الأول و الرئيسى الذى كُتِبت له هاتين المقدمتين و هو كتبة الأسفار.

بعد أن إنتهيت من قراءة هاتين المقدمتين و دراستهما بشكل كلى على مدى عامين، بدأت منذ عدة أيام فى دراسة المدخل التاريخى لايرمان الذى صدر عن جامعة اكسفورد. كانت قراءتى فى هذا الكتاب متفرقة لفترة، و من خلال هذه القراءة شعرت أنه أفضل كتاب كتبه ايرمان تقريباً، فهو يفصل جيداً فيه بين البيانات المُقدمة و تفسيره الشخصى لهذه البيانات. عادةً يحتاج الباحث لمعرفة البيانات فقط و يُترك تفسيرها للباحث لا العالم. بالتأكيد، تفسيرات العلماء هامة جداً فى تحديد تفسير الباحث و من المهم جداً أن يخضع تفسيره للحكم فى ضوء تفاسير أكبر قطاع ممكن من العلماء.

كتب ايرمان الإصدار الأول لهذا الكتاب فى منتصف التسعينات، و هو الآن فى إصداره الرابع الذى صدر العام الماضى، و هو الإصدار الذى أدرسه. و نظراً لأن حجم الكتاب كبير بما لا يسع أن يتم تغطيته فى كورس واحد (فى أى كلية أو معهد فإن أحد الكورسات الأساسية التى تُدرس فى كل مكان هو "مقدمة العهد الجديد" و مدته تتراوح بين ثلاثة شهور و خمسة شهور)، فقد قام ايرمان بوضع إصدار مُختصر لهذا الكتاب.

لقد وضعها والاس فى طريقة جميلة للإستفادة من أعمال ايرمان: لا أحد يشكك فى بيانات ايرمان، و لكن لا أحد لا يشكك فى تفسيره لهذه البيانات. لذا، أعتقد أن أفضل وسيلة للإستفادة من هذا الكتاب المدرسى "العهد الجديد: مدخل تاريخى للكتابات المسيحية الأولى"، هو النظر فى بيانات ايرمان بإطمئنان، و التعامل بحذر مع تفسيره الخاص لهذه البيانات.

الأربعاء، 16 ديسمبر، 2009

إصدارات تاريخية


هذا نص العهد الجديد المطبوع بأكثر من لغة، و هو النص الكومبليتنسى Complutensian Polyglot. حسناً، هذا هو أول إصدار طُبِع فى تاريخ البشرية لنص العهد الجديد اليونانى (طُبِع العهد الجديد كثيراً من قبل و لكن باللاتينية، حتى أن أول كتاب طُبِع تماماً هو الكتاب المقدس على يد جوتنبرج مخترع الطباعة نفسه). يمكنك معرفة تفاصيل هذا الإصدار فى كتاب: المدخل إلى علم النقد النصى للعهد الجديد، ص 224. يمكنك الآن تحميل نسخة من هذا الإصدار كملف PDF بحجم 500 ميجا تقريباً (الجزء الأولالجزء الثانىالجزء الثالثالجزء الرابعالجزء الخامسالجزء السادس).

بالإضافة إلى ذلك، تستطيع الآن تحميل نص بريان والتون الذى صدر فى عام 1652 (يمكنك معرفة تفاصيل هذا الإصدار فى كتاب: المدخل إلى علم النقد النصى للعهد الجديد، ص 231)، كملف PDF بحجم يفوق الواحد جيجا من هنا.

الأعضاء المشتركون فى موقع التورنت المسيحى سيجدون الملفين مُتاحين عليه.

الاثنين، 14 ديسمبر، 2009

فيربروج حول لاهوت الكلمة


كانت شبهة عرضتها على فيربروج فى حوارى معه و هى: هل يجب أن يُترجم يو 1 : 1 "و كان الكلمة إلهاً؟ فكان رد فيربروج:"أى شخص درس اللغة اليونانية لعمر طويل مثل الذى قضيته أنا يعرف أن هذا كلام سخيف لا معنى له. أنظر فى الجملة "الكلمة كان الله"، فهى مُكونة من ثلاثة عناصر: الفاعل "الكلمة" و الفعل "الكلمة" و الكلمة التى تتم الفاعل "الله" و المعروفة تقنياً بـ "الإسم المرفوع" predicate nominative. الآن هذه الكلمات تظهر كثيراً بنفس هذا الترتيب فى اللغة اليونانية. و لكن فى بعض الأوقات، و لأجل التأكيد على معنى معين، يضع الكاتب اليونانى الإسم المرفوع قبل الفعل "كان" أو "يكون". و حينما يحدث هذا، فإن الإسم المرفوع قبل الفعل "يكون" لا يأخذ أداة التعريف أبداً و نهائياً. بكلمات أخرى، فإن هذه الجملة فى اليونانية:"و الله (ثيؤس) كان (إن) الكلمة (هو لوجوس)". هذه القاعدة معروفة بإسم "قاعدة كولويل"، حيث أن الذى إكتشفها هو إ. س. كولويل. و هذه هى قاعدة كولويل:"فى الجمل التى يكون فيها فعل الربط، فإن الإسم المرفوع المُعرف يأخذ أداة التعريف حينما يأتى بعد الفعل؛ ولا يأخذ الأداة حينما يأتى قبل الفعل".

و نظراً لأن الشرح ظهر صعباً على بعض القراء، فسوف أقوم بتبسيطه هنا. هذا الكلام يعنى ببساطة التالى:

لدينا ثلاث كلمات فى الجملة: "كان"، "الكلمة"، و "الله". و اعراب الكلمات فى اليونانية كالتالى: "كان" هو فعل الربط، أى الفعل الذى يربط بين كلمتين و هما "الكلمة" و "الله". أما "الكلمة" فهو الفاعل، و "الله" هو الإسم المرفوع. ما هو الإسم المرفوع؟ هو ببساطة شىء ما يشبه الخبر، أى الإسم الذى يتمم معنى الفاعل (ستجد شرح تفصيلى هنا). الآن، قاعدة كولويل تقول ببساطة أن الإسم المرفوع "الله" لو جاء قبل الفعل "كان" لا يتم وضع أداة تعريف قبله أبداً. العادى هو أن يأتى الإسم المرفوع بعد الفعل، و لكن حينما يأتى الإسم المرفوع قبل الفعل، فبذلك الكاتب يريد التأكيد على نقطة معينة عنده. و فى هذه الحالة لا يتم وضع أداة تعريف قبل الإسم المرفوع "الله" أبداً. الآن، كيف سنعرف إذا كانت الكلمة معرفة أم نكرة؟ يقول فيربروج أن ذلك نفهمه من سياق النص، و فى حالتنا هذه، فإن سياق النص يقول أن الإسم المرفوع "الله" معرفة، لأن كلمة الله جائت فى المرتين معرفة، أى أن سياق النص يوضح أن الكلمة معرفة.

أتمنى أن يكون إتضح الشرح بذلك. يمكنك أيضاً مراجعة مقالة "و كان الكلمة الله؟" للمزيد حول هذا النص فى اللغة اليونانية.

الأحد، 13 ديسمبر، 2009

فيربروج مع الايمان العلمى


القراء الاعزاء،

أحد النشاطات التى تقدمها خدمة الايمان العلمى، هى الحوار المباشر مع واحد من علماء العهد الجديد، كلما سنحت الفرصة. و اليوم، معنا واحد من العلماء معروف لكل باحث جاد فى العهد الجديد. فيرلين د. فيربروج، من جامعة نوتردام، و الحاصل على درجة الدكتوراه من نفس الجامعة. فيربروج هو واحد من أعلى السلطات فى العالم فى اللغة اليونانية للعهد الجديد، و هى اللغة التى إستمر بحثه العلمى فيها لما يزيد عن اربعين عاماً! و يعرفه كل شخص متخصص فى الدراسات المتعمقة للعهد الجديد فى مجتمعنا العربى، نظراً لأنه مؤلف أكبر قاموس لاهوتى يونانى – عربى، الذى ترجمته و نشرته دار الكلمة، "القاموس الموسوعى للعهد الجديد".

بدأت معرفتى بفيرلين فيربروج منذ سبعة أو ثمانية شهور، حينما أردت ترجمة حوار لى ستروبل مع دان والاس من كتاب "قضية يسوع الحقيقى". و نظراً لأن هذا الكتاب صادر عن دار زونديرفان، أكبر دار نشر مسيحية فى العالم، فلم يستطيع والاس أن يحصل على التصريح لتعقيد متطلباتهم. و هنا عرفنى على فيرلين فيربروج، حيث يعمل المحرر العام فى دار زونديرفان. وجدته رجلاً طيباً فى نهاية العقد السابع من عمره، فرح بطلبى و تكلم مع مديرة قسم التصريحات، التى لم تستطع أن ترد طلبه. و منذ ذلك الوقت، جمعتنى به علاقة صداقة جميلة، و ساعدنى كثيراً خلال عدة دراسات متعلقة باليونانية.

اليوم، معنا العالم فيرلين د. فيربروج، المتخصص فى اللغة اليونانية، و بالتحديد الإنعكاس اللاهوتى للغة و الذى كان جوهر دراساته فيها، و يسوع التاريخى حيث أنه واحد من أبرز مؤرخى القرن الأول و الثانى!

و إليكم نص الحوار:

فادى: دعنى ابدأ بسؤال طُرِح منذ ألفى عام: من هو يسوع الناصرى؟ البعض يعتقد أنه مجرد إنسان حكيم، و آخرين يروه كمجرد نبى، لكن هناك كثيرين يؤمنون أنه الله المتجسد. من كان يسوع بالضبط؟

فيربروج: لا استطيع أن أتكلم إلا بما يقوله الكتاب المقدس. يقول الكتاب المقدس أنه قبل أن يُولد يسوع بزمن طويل، وعد الله بإرسال المسيا ليخلص شعبه من أكبر عدو لهم، و لم يكن هذا العدو كائناً بشرياً، إنما الشيطان. و كان هدف الشيطان هو أن يحكم العالم و يدمر عمل الله. فوعد الله بإرسال المسيا ليدمر عمل الشيطان (1 يو 3 : 8)، و هذا المسيا هو يسوع. و يسوع هو إبن الله، و هو الله الأزلى، و لكنه وُلِد من العذراء مريم كإنسان بشرى. و لذلك فهو الله المتجسد. كما يقول يوحنا (يو 1 : 1) حول هذا الشخص (و يسميه يوحنا فى النص "الكلمة") أنه "كان الله" و هذا الكلمة "صار جسداً و عاش بيننا". لا يهم كيف سيحاول البشر التهرب من هذه الرسالة الواضحة، لكنها فى النهاية رسالة يوحنا، كاتب هذا الإنجيل.

فادى: إجابتك تفترض أننا نستطيع أن نعرف عن يسوع. ما هى المصادر التى نستطيع أن نعرف عن يسوع منها؟

فيربروج: نحن نعرف عن يسوع بالدرجة الأولى من الكتاب المقدس، و هو كلمة الله المُوحى بها للبشر. الكتاب المقدس يقول:"كل النص المقدس هو تنفس الله (أو مُوحى به)" (2 تى 3 : 16). و هذا يعنى أن الروح القدس ساقهم الروح القدس حتى يكتبوا كلمات الله و ليس كلماتهم الخاصة (2 بط 1 : 21). هذه الكتابات تتضمن العهد القديم و العهد الجديد. و لكن هناك أيضاً مصادر قديمة أخرى تتكلم عن يسوع. كمثال، فإن يوسيفوس يُشِير إلى يسوع فى كتاباته. و المؤرخ الرومانى سيوتونيوس يذكر أنه فى وقت حكم كلاوديوس كانت هناك سجالات كثيرة جداً فى المجتمع اليهودى فى روما حول شخص يُدعى "خريستوس" (أى المسيح) حتى أن كلاوديوس اضطر إلى طرد كل اليهود من روما (و نص أع 18 : 2 يُشِير إلى تلك الحادثة). سيوتينيوس أسماه "خريستوس" Chrestus و لكن معظم العلماء يعترفون بأن هذا مجرد سوء تهجئة للإسم (ملاحظة من فادى: إسم "المسيح" باليونانية هو Christus و خطأ سيوتونيوس أنه كتبه Chrestus). ولا يوجد "أى فرد" فى العالم القديم أنكر وجود يسوع الحقيقى. و بينما نحن لا ننظر فى هذه المصادر الكلاسيكية بهدف معرفة الحقيقة عن يسوع، إذا أننا نبحث فى الكتاب المقدس لذلك، غير أن هذه المصادر تؤكد لنا حقائق كثيرة عنه مذكورة فى الكتاب المقدس.

فادى: هل لديك أدلة على موثوقية هذه المصادر، الكتاب المقدس و المصادر الكلاسيكية؟

فيربروج: بينما أن الايمان بالكتاب المقدس ككلمة الله هو أحد ثوابت الايمان، و مع الوضع فى الإعتبار أننى لا أستطيع أن أثبت أن الله أوحى للأنبياء و الرسل ليكتبوا كلمته و لكن أنا "أؤمن" بهذا، فإن هناك أدلة كثيرة من علم الآثار، الكتابات القديمة، و أنقاض الحضارات القديمة و ما إلى ذلك، و هذه الأدلة تؤكد أن الكتاب المقدس دقيق تاريخياً. لا يوجد أى شخص ذو عقلية نقدية يقرأ الكتاب المقدس و يصل إلى أنها مثل أساطير ديانات العالم القديم. و هناك كتابين فى ذهنى الآن سيساعدان أى فرد فى دراسة دقة الكتاب المقدس التاريخية. الأول هو "الكتاب المقدس الآركيولوجى"، و الثانى هو كتاب "الكتاب المقدس بين الأساطير" لجون أوسوالت.

فادى: هل يمكن أن تعطينا لمحة مختصرة عن صورة يسوع كما تظهر فى هذه المصادر، الكتاب المقدس و الكتابات الكلاسيكية؟

فيربروج: ظهر ملاك للعذراء مريم و أخبرها أنها سوف تكون أم المسيا، ابن الله، إبن داود الموعود به. و قد وُلِد يسوع فعلاً من مريم فى مدينة بيت لحم (لو 2). و بعدما قضى ثلاثين سنة من حياته فى بيته، بدأ خدمته العامة بعدما تعمد على يد يوحنا المعمدان و مُسٍح بالروح القدس (لو 3). ثم بدأ يسوع يكرز بإنجيل ملكوت الله، و اختار إثنى عشر رجلاً ليكونوا تلاميذه، و صنع معجزات كثيرة و علم بأشياء كثيرة مهمة عن الله و عن نفسه و عننا نحن كبشر؛ و كلمات يسوع و أفعاله تم تسجيلها فى أربعة أناجيل: متى، مرقس، لوقا، و يوحنا. لقد كان يسوع حقاً رجلاً حنوناً و قوياً فى نفس الوقت.

و بحسب 2 كو 5 : 21 و عب 4 : 15 و نصوص أخرى، فإن يسوع لم يرتكب خطية واحدة فى حياته. و لكن لأنه علمّ بالحقيقة حول الله، و لأن الناس أحبوا أن يستمعوا له، فإن القادة اليهود أصبحوا يغيرون منه. و كنتيجة لذلك، قرروا أن يقتلوه. و فى محاكمة خاصة عُقِدت ليلاً، قالوا بأن يسوع قد جدف حينما إدعى أنه المسيا ابن الله (رغم أن يسوع أسمى نفسه "ابن الإنسان"، و لكن هذا المصطلح فُهِم من خلال نص دانيال 7 : 13 - 14 ليعنى شخصاً إلهياً معيناً). و نظراً لأنهم قرروا بداخلهم أنه قد تكلم بتجديفات، قرروا أنه يجب أن يُقتل. و العهد القديم يقول أن من يجدف على الله يجب أن يُقتل. و لكن نظراً لأن الحاكم الرومانى لم يكن سيوافق على معاقبة شخص ما بعقوبة رسمية فقط لأنه جدف ضد التعاليم اليهودية، فإن القادة اليهود إتهموا يسوع أنه يحرض على الثورة ضد روما. و قد رفض بيلاطس أولاً أن يقتل يسوع، و لكن حينما أدرك أن اليهود سوف يقومون بشغب ضده، قرر أن يعطيهم ما طلبوا، و أمر بصلب يسوع.

و فى اليوم الثالث بعد صلب و دفن يسع، وُجِد قبر يسوع فارغاً بواسطة بعض أتباع يسوع النساء. و رغم أن فى البداية لم يستطع أتباع يسوع الرجال و النساء أن يدركوا ما حدث، ظهر لهم يسوع فجأة. و أراهم يديه و رجليه، فى المكان الذى إخترقته المسامير، بل و حتى أكمل معهم ليريهم أنه حى بالفعل. لذلك فإن رسالة كتب العهد الجديد بالإجماع هى أن الله أقام يسوع من الموت و أنه يحيا الآن مع أبيه السماوى جالساً على عرش السماوات.

فادى: إستدللت فى حديث بمقدمة يوحنا فى إنجيله:"و كان الكلمة الله" (يو 1 : 1). و بصفتك واحد من أكبر علماء اللغة اليونانية فى العالم، ألا يجب أن يُترجم هذا النص:"و كان الكلمة إله"، لأنه لا يوجد أداة تعريف قبل لفظ ثيؤس اليونانى؟

فيربروج: أى شخص درس اللغة اليونانية لعمر طويل مثل الذى قضيته أنا يعرف أن هذا كلام سخيف لا معنى له. أنظر فى الجملة "الكلمة كان الله"، فهى مُكونة من ثلاثة عناصر: الفاعل "الكلمة" و الفعل "الكلمة" و الكلمة التى تتم الفاعل "الله" و المعروفة تقنياً بـ "الإسم المرفوع" predicate nominative. الآن هذه الكلمات تظهر كثيراً بنفس هذا الترتيب فى اللغة اليونانية. و لكن فى بعض الأوقات، و لأجل التأكيد على معنى معين، يضع الكاتب اليونانى الإسم المرفوع قبل الفعل "كان" أو "يكون". و حينما يحدث هذا، فإن الإسم المرفوع قبل الفعل "يكون" لا يأخذ أداة التعريف أبداً و نهائياً. بكلمات أخرى، فإن هذه الجملة فى اليونانية:"و الله (ثيؤس) كان (إن) الكلمة (هو لوجوس)". هذه القاعدة معروفة بإسم "قاعدة كولويل"، حيث أن الذى إكتشفها هو إ. س. كولويل. و هذه هى قاعدة كولويل:"فى الجمل التى يكون فيها فعل الربط، فإن الإسم المرفوع المُعرف يأخذ أداة التعريف حينما يأتى بعد الفعل؛ ولا يأخذ الأداة حينما يأتى قبل الفعل". و إذا أردت أن تعرف أكثر عن هذه القاعدة، فأنظر الشرح الذى تقدمه ويكبديا فى "يو 1 : 1" تحت مقطع "النحو" (هنا).

الآن، كيف ستحدد إذا كان الإسم المرفوع الذى يسبق الفعل يعنى إله أم الله؟ أفضل طريقة هى النظر فى سياق النص. و قبل أن نصل إلى جملة "و كان الكلمة الله" فإننا سنجد كلمة الله وردت مرتين و فى كل مرة يسبقها أداة التعريف (أى "الله). إذن، فهذا يجعل فِهم الجملة الثالثة مستقراً فى يوحنا 1 : 1، فالكاتب يريدنا أن نفهم بأن الكلمة، يسوع المسيح، هو الله الأزلى (و أنظر أيضاً يو 1 : 18).

فادى: يتفق العلماء بالإجماع على أن يسوع حينما إستخدم التعبير اليونانى "إيجو إيمى" فى صيغته المُطلقة، فإنه كان يُشير إلى نفسه على أنه يهوه. هل تتفق معهم كعالم متخصص فى اليونانى؟ و إن كان كذلك، فما هى الأدلة المتوفرة؟

فيربروج: تعبير "إيجو إيمى" يعنى "انا كائن" أو "انا هو" I am، و هذا هو نفس الإسم الذى يعطيه الله لنفسه حينما ظهر لموسى فى خر 3 : 14. فى النسخة اليونانية للعهد القديم السبعينية، يسمى الله نفسه "ايجو ايمى". لذا، فحينما يقول يسوع فى يو 8 : 58 "قبل أن يُولد ابراهيم، انا كائن (ايجو ايمى)"، فإنه يقول أنه كان حياً بالفعل قبل زمن ابراهيم، أى قبل نحو ألفى عام تقريباً. و هذا لا يعنى سوى أنه يدعى أنه "أنا كائن" I AM. فى ذلك النص، إدعى يسوع أنه هو يهوه Jehovah أو أى صيغة يمكن أن نعطيها لإسم الله فى عهده الذى قطعه مع شعبه. لا يوجد أى طريقة أخرى أبداً لفِهم النص إلا بهذا الشكل. و حينما تدرك جيداً أن القادة اليهود رفعوا الحجارة حتى يقتلوه (لأنهم إعتبروه يجدف بإعطاء إسم يستخدمه الله لنفسه فقط و لهذا يستحق الموت)، ستعرف أنهم فهموا ما كان يقوله يسوع. لقد كان يسوع يدعى حقاً أنه هو الرب الإله يهوه.

فادى: و لكن فى أماكن كثيرة يقول يسوع عن نفسه أنه "انسان" أرسله الله. هل تعتقد أنه موقف صحيح أن يستنتج الفرد من هذه النصوص أن يسوع كان "مجرد انسان" فى العهد الجديد؟

فيربروج: يجب أن نفهم أن يسوع لم يكن الله فقط، لقد كان يجب عليه أن يصير إنساناً. كان ذلك الرجل و زوجته، آدم و حواء، أخطأوا فى حق الله فى جنة عدن، و لهذا كان يجب أن يكون هناك إنساناً يستطيع أن يقف لأجلهم أمام الله. و الكتاب المقدس يصف الخطية بإنها "دين" Debt (مثلما فى صلاة الرب "و أغفر لنا ديوننا")، و نحن كلنا نعرف أننا إذا وقعنا فى دين، فيجب علينا شرعياً أن ندفع هذا الدين. المشكلة الرئيسية الآن، هى أننا نخطىء كل يوم، بكلمات أخرى، فإن ديوننا لله تزداد يوماً بعد يوم (أنظر رومية 1 - 3). و لذلك فنحن نحتاج لشخص ليس عليه أى ديون ليدفعها، و مثلما بينت بالأعلى، كان يسوع بلا خطية (2 كو 5 : 21؛ عب 4 : 15). و نحتاج أيضاً لشخص قوى يستطيع أن يسحق ذلك الكائن الذى وضعنا فى هذا الموقف الحرج، و هو الشيطان. و الوحيد الذى يستطيع أن يسحق الشيطان هو الله. و هذا هو السبب الى لأجله يجب أن يكون مخلصنا و منقذنا الله و الإنسان فى نفس الوقت. و هذا هو ما كانه يسوع بالضبط. مريم أمه و هى إنسانة، حبلت إعجازياً عن طريق الروح القدس، و الذى هو نفسه الله (أنظر لو 1 : 35). و لهذا فإن الإبن الذى ولدته مريم هو ابن الله، الله و الإنسان فى شخص واحد.

فادى: هل عبده تلاميذه على أنه الله؟

فيربروج: واحد من أكثر النصوص الممتعة فى الكتاب المقدس هو الإصحاح العشرين من إنجيل يوحنا. و فى هذا الإصحاح، فإن التلاميذ كانوا يفكرون فيما حدث ليسوع بعدما وضعوه فى القبر ثم إكتشافهم للقبر الفارغ. فظهر يسوع لهم و آمنوا و عرفوا أنه الآن حياً. و لكن توما، واحد من التلاميذ، لم يكن معهم فى هذه المرة. و بعد مرور سبعة أيام، كان مع التلاميذ مرة أخرى و قد ظلوا يسردوا له كيف أن يسوع حياً بالفعل. و لكن توما قال أنه لم يؤمن أن يسوع حياً ما لم يضع إصبعه فى مكان المسامير فى يدى يسوع. و يسوع لم يكن موجوداً معهم حينما قال توما ذلك. و لكن حينما كان توما موجوداً مع التلاميذ بعد سبعة أيام، ظهر يسوع مرة أخرى للتلاميذ، ثم إلتفت لتوما و دعاه أن يأتى و يضع أصابعه فى مكان المسامير و ينزع الشك. نحن لا نعرف هل توما وضع يديه فعلاً أم لا، و لكننا نعرف أنه رأى مكان المسامير. و ما قاله توما فى هذه اللحظة، و هو أحد النصوص الختامية فى انجيل يوحنا، هو كلمات مذهلة حقاً، فقد قال:"ربى و إلهى". بكلمات أخرى، لقد وضع توما الإعتراض الذى يجب على كل شخص أن يقر به؛ أن يقف أمام يسوع المصلوب و القائم من الموت و يقول له: أنت هو ربى، أنت هو إلهى. و هذا هو إعتراف العبادة، أن تعترف ليسوع بكينونته الحقيقية.

ثم يختتم يوحنا، كاتب الإنجيل، بهذه الأعداد الهامة:"وَآيَاتٍ أُخَرَ كَثِيرَةً صَنَعَ يَسُوعُ قُدَّامَ تلاَمِيذِهِ لَمْ تُكْتَبْ فِي هَذَا الْكِتَابِ. وَأَمَّا هَذِهِ فَقَدْ كُتِبَتْ لِتُؤْمِنُوا أَنَّ يَسُوعَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ وَلِكَيْ تَكُونَ لَكُمْ إِذَا آمَنْتُمْ حَيَاةٌ بِاسْمِهِ" (يو 20 : 30 - 31). و أتمنى أن كل شخص يقرأ هذا الحوار سيعترف بيسوع أيضاً.

فادى: إذن، لو أننا عاملنا وثائق و كتب العهد الجديد على أنهم مجرد وثائق تاريخية فقط، ليس كتب أوحى بها الله و لا هى كتب معصومة، هل نستطيع أن نثق أن يسوع صُلِب على الصليب و مات عليه؟

فيربروج: كل الأناجيل الأربعة تقول أن يسوع صُلِب. بولس الرسول و بطرس الرسول أكدا أن يسوع مات على الصليب. سفر الرؤيا يتكلم عن يسوع بوصفه "الحمل المذبوح". فادى، اسمع كلماتى هذه جيداً: لا يوجد أى كاتب فى التاريخ، سواء مسيحياً أو غير مسيحياً، قال و لو مجرد تلميح أن يسوع قد مات بطريقة أخرى غير الصليب. لم يمت يسوع ميتة طبيعية، لم يغتاله أحدهم فى معركة صغيرة، و لم يغرق فى بحر الجليل. لقد صُلِب يسوع، و هذا هو ما يقوله كل شخص فى الكتاب المقدس عن موت يسوع.

هناك أيضاً مصادر تاريخية أخرى تقول أن يسوع صُلِب. فى التلمود البابلى (السنهدريم 43)، و هو وثيقة يهودية و ليست مسيحية، مقطع يؤكد أن يسوع عُلِق فى الفصح. و يقول يوسيفوس فى كتابه (آثار اليهود 18 : 63 - 64) أن يسوع المُدعو المسيح كان رجلاً حكيماً صنع معجزات كثيرة، و علم الناس الحقيقة، و جذب إليه الكثير من اليهود و الأمم. و أن بيلاطس البنطى أعدمه بتحريض من القادة اليهود. أخيراً، فإن المؤرخ الرومانى تاسيتوس تكلم عن المسيحيين الذين أعدمهم الإمبراطور نيرون فى روما. تاسيتوس يعتبر أن اعدام المسيحيين خطأ، رغم أنه كان يعتقد أن المسيحية ديانة غريبة. ثم يكتب بعد ذلك:"واضع اللقب "مسيحى" هو المسيح الذى تألم بسبب أقسى عقاب بيد وكلاء بيلاطس البنطى فى فترة حكم طيباريوس". هكذا، لديك أدلة يهودية و رومانية أن يسوع قد صُلِب.

فادى: و لكن هناك رأى آخر يقول أن الله أنقذ يسوع من الموت على الصليب، و جعل شخص بديل يُصلب مكانه، أى أن يسوع لم يُصلب. هل هناك أى دليل تاريخى يقولك ذلك؟

فيربروج: فى الجزء الأخير من القرن الأول كان هناك شخص يُدعى كيرنثوس علمّ بشىء ما مشابه لذلك. و نحن نعرف عن معتقداته من خلال قائد مسيحى يُدعى ايريناؤس، عاش بعد خمسين سنة من زمن كيرنثوس. و قد إعتقد كيرنثوس أن الله ذو الطبيعة الإلهية قد إستعار فقط جسد شخص بشرى يُدعى يسوع؛ ثم و قبل أن يموت يسوع على الصلب، فإن المسيح، أى الشخص الإلهى، فارقه. و لهذا فقد علمّ كيرنثوس بأن المسيح، الذى هو الشخص الإلهى ابن الله، لم يمت على الصليب، إنما فقط مات يسوع الإنسان. و قد تضايق الرسول يوحنا من تعاليم كيرنثوس حتى أنه يبدو أن يوحنا كتب إنجيله، إنجيل يوحنا، و خاصةً رسالته الأولى، حتى يكتب ضد هذه الرؤية. و يؤكد يوحنا فى رسالته الأولى أن يسوع كان شخصاً هو، أى يوحنا، سمعه و رآه و لمسه شخصياً (1 يو 1 : 1 - 2). و فى نص آخر (2 : 18 - 23)، يكتب يوحنا عن روح ضد المسيح الذى "ينكر أن يسوع هو المسيح". أنظر إذن، إن يوحنا يؤمن أن يسوع و المسيح هما كيان واحد؛ فإذا كنت لا تؤمن بذلك فأنت لديك فكر ضد المسيح. بكلمات أخرى، إنه أمر لازم أن تؤمن بأن يسوع المسيح هو الذى مات على الصليب، و ليس شخص آخر. و لاحقاً فى 1 يو 4 : 1 - 3، يؤكد يوحنا مرة أخرى أنك تستطيع تمييز روح الله الذى يعمل حقاً فى الشخص، إذا كان هو أو هى "يعترف أن يسوع المسيح قد جاء فى الجسد"، و أى شخص ينكر ذلك "لديه روح ضد المسيح". و يعود يوحنا فيؤكد فى إنجيله أن هذا الشخص، يسوع المسيح، قد مات على الصليب. فى الحقيقة، حينما مات يسوع المسيح و طعنه الجندى فى جنبه، خرج من جنبه دم و ماء (يو 19 : 34). يسوع المسيح الإله و الإنسان مات على الصليب، "وَالَّذِي عَايَنَ شَهِدَ وَشَهَادَتُهُ حَقٌّ وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ لِتُؤْمِنُوا أَنْتُمْ" (يو 19 : 35). فما الذى يجب عليك أن تؤمن به إذن؟ "أَنَّ يَسُوعَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ وَلِكَيْ تَكُونَ لَكُمْ إِذَا آمَنْتُمْ حَيَاةٌ بِاسْمِهِ" (يو 20 : 31).

فادى: ما رأيك فى سيمينار يسوع؟

فيربروج: دعنى أخبرك شىء عن سيمينار يسوع لا يعرفه الكثيرين. و أنا أعرف ذلك لأننى حينما كنت طالباً فى جامعة نوتردام، عقد أعضاء سيمينار يسوع إجتماعاً فى كليتنا، و قد إستطعنا أن نحضر مناقشاتهم. و رغم أننا لم نستطع المشاركة فى النقاشات، فقد إستطعنا أن نستمع لما يقوله هؤلاء الناس.

لقد أسس روبيرت فانك سيمينار يسوع، و قد كان رجلاً لا يؤمن أن يسوع هو ابن الله أو أنه هو المسيح. و لكنه كان كم الجدالات المختلفة جداً (و فى بعض الأحيان، لم تكن جدالات هادئة!) عند المسيحيين. فى بعض الأحيان، تصارع المسيحيين مع بعضهم البعض ليثبت كل فرد صحة رؤيته. شعر فانك أنه لو إستطاع أن يجمع مجموعة من العلماء معاً يستطيعون أن يشهدون عن قناعة بأن يسوع كان مجرد حكيم يهودى كان يستفز القادة اليهود و يغضبهم و لذلك قتلوه، فإن الصراعات بين المسيحيين سوف تنتهى. لذلك جمع حوله مجموعة من العلماء الذين يفكرون بنفس الطريقة، و قرروا أن يبدأوا دراسة كل كلمات يسوع و يقوموا بالتصويت حول ما إذا كان يسوع قال هذه الكلمات حقاً أم لا. و قد وضعوا قواعد غريبة جداً و شاذة للتصويت، و كنتيجة لتصويتهم، فإن تقريباً كل أقوال يسوع لم تكن كلماته حقاً. و لكن عليك أن تعرف جيداً أن هؤلاء العلماء قد قرروا قبل أن يبدأوا أن أغلب الكلمات المنسوبة ليسوع فى الأناجيل لم تكن كلماته حقاً، و إنما كلمات وُضِعت على لسانه بيد أتباعه. إذا كنت تريد أن تقرأ أفضل كتاب موجود يحلل مغالطات سيمينار يسوع، فعليك أن تقرأ كتاب "يسوع تحت النار".

فادى: يرفض هؤلاء العلماء أن يكون يسوع قد قام من الموت فى اليوم الثالث، و لكننا كمسيحيين نؤمن أن الله أقام يسوع من الموت. هل لدينا أى أدلة تاريخية تقول ذلك؟

فيربروج: هناك أمر ما موثوق فى البحث العلمى للعهد الجديد، و لا يوجد أشياء كثيرة يمكن أن يوافق عليها كل عالم موجود، و هو أن القبر كان فارغاً فى صباح الأحد. لا أعرف أى عالم للعهد الجديد يستطيع أن يقول أن جثمان يسوع كان مازال موجوداً فى القبر فى صباح الأحد. و قد كان أعداء يسوع يعرفون أن القبر فارغاً! دعنا نفترض أن الجثمان كان مازال فى القبر؛ لو كان كذلك، فكل ما كان يجب أن يفعله أعداء يسوع هو يحضروا قلة من الشهود لينظروا جثمان يسوع فى القبر؛ و لكن هذا لم يحدث أبداً لأن القبر كان فارغاً. بكلمات أخرى: القبر الفارغ يحتاج إلى تفسير، سواء كان الفرد يؤمن بيسوع أم لا.

الآن، فإن أول محاولة لتفسير القبر الفارغ كانت أن التلاميذ سرقوا الجثمان. و لكن هذا سخف لا معنى له. فأولاً، لقد كان هذا جريمة ضد القانون الرومانى الذى يعاقب على سرقة الجثث، و كنا سنجد الكثير من التلاميذ مسجونين أو حتى قد أُعدِموا إذا كانوا قد سرقوا الجسد. لم يكن هناك أى دليل على أنهم فعلوا ذلك. بالإضافة إلى ذلك، فإن آخر شىء كان سيفكر فيه التلاميذ بعد مرور يوم الجمعة العظيمة هو كيف يسرقوا الجسد و يخلقوا قصة القيامة. فى الحقيقة، فبحسب يوحنا، كانوا مختبئين وراء الأبواب المغلقة، مرعوبين من أن يأتى القادة اليهود و يحاكمونهم. و بالإضافة إلى ذلك، فبحسب متى 27، بيلاطس وضع ختمه على القبر و أقام حراساً ليمنعوا أى شخص من العبور لهذه المنطقة؛ فلا يوجد أى وسيلة يستطيع بها التلاميذ أن يسرقوا الجسد لو أرادوا ذلك.

محاولة أخرى لتفسير القبر الفارغ كانت هى أن يسوع لم يمت على الصليب إنما فقط غاب عن الوعى، ثم عاد لوعيه فى القبر الرطب. و لكن لو حدث هذا حقاً، فكيف إستطاع أن يرفع الحجر الضخم من أمام القبر حتى يستطيع الخروج؟ لقد كان حجرً ثقيلاً جداً. بالإضافة إلى ذلك، هذا التفسير يحط من قدر الجنود الرومان. لقد قتلوا الكثيرين كجنود و شاركوا فى عمليات صلب كافية لهم أن يعرفوا متى يصبح الجسد ميتاً. و أيضاً، فلكى يطمئن الجندى أن يسوع قد مات، فقد قام بطعنه فى جنبه، فخرج منه دم و ماء (يو 19 : 34).

تفسير آخر للقبر الفارغ هو أن مريم المجدلية و بقية النساء ذهبن إلى القبر الخطأ، فوجدوا القبر فارغاً، و أخبروا التلاميذ أن يسوع حياً. و هذا أيضاً تفسير مستحيل. لقد رأوا أين دُفِن يسوع، فكيف لشخص أن ينسى فى يومين فقط أين دُفِن أهم شخص فى حياته، خاصةً و أن النساء كانوا مخططين أن يكملوا بعض الأمور المتعلقة بدفن يسوع فى صباح الأحد (حيث أن السبت لم يسمح لهم بإكمال عملهم)؟ لقد عرفوا أين وضع يوسف الرامى الجسد؛ و كان سؤالهم الوحيد هو من يرفع الحجر الثقيل لهم.

بل دعنا نذهب إلى أبعد من ذلك، فلنفترض أن بطريقة ما أخفى التلاميذ الجسد و إختلقوا قصة القيامة. العديد من العلماء الذين لا يؤمنون بالكتاب المقدس يعتقدون أن التلاميذ إختلقوا هذه القصة حتى يكتبوا الخلود لتعاليم و أهداف يسوع. هل هذا تفسير معقول للقيامة؟ لا على الإطلاق! فإن التلاميذ كلهم تقريباً قد ماتوا أخيراً لسبب واحد: لأنهم آمنوا أن يسوع مات لأجل خطايانا و قام ثانية من الموت ليحررنا من قبضة الشيطان على حياتنا. دعنى أفترض الآن فادى أنك تعرف أن أمر ما هو مجرد كذبة، فأخبرك شخصاً ما أنك لو آمنت بهذا التعليم فسوف تُقتل. الآن، سوف تموت إذا كنت تعرف أنه أمر حقيقى، و لكن البشر لن يموتوا لأجل ما يعرفون أنه مجرد كذبة.

إن أقوى دليل على أن يسوع قام من الموت هو تعهد التلاميذ الأوائل ليسوع بأن يموتوا من أجل الحقيقة بدلاً من أن ينكروا ما يعرفون أنه حدث حقيقى بالفعل!

فادى: ما الذى تقوله لأى مسيحى قد ينتابه قلق حول إلوهية المسيح كإبن الله؟

فيربروج: أنظر للدليل! يسوع نفسه إدعى أنه ابن الله، و كل كتبة الأناجيل شهدوا إلى الحقيقة بأن يسوع هو ابن الله، و الرسل الأوائل و بقية أتباع يسوع ماتوا لأنهم آمنوا أن يسوع هو ابن الله حقيقةً. و أكثر من ذلك، فى تاريخ الكنيسة، أصبح هذا التعليم تحت الهجوم. كان هناك رجلاً يُدعى آريوس عاش فى القرن الرابع، أصبح يؤمن أن يسوع لم يكن الله تماماً؛ فقد علمّ آريوس أن يسوع كان أول و أهم مخلوقات الله، و لكنه لم يكن الله الأزلى نفسه. بكلمات أخرى، إدعى آريوس أنه كان هناك وقتاً لم يكن يسوع موجوداً فيه. فإنزعجت الكنيسة من تعاليمه، و إجتمع كل قادة الكنيسة معاً فى مدينة نيقية ليقرروا ما الذى يعلمه الكتاب المقدس حقاً حول يسوع. و لذلك أعلنوا أن تعاليم آريوس هى تعاليم هرطوقية، و لم يُسمح لآريوس مرة أخرى أن يعلم فى الكنيسة. و قد تم هذا فى مجمع نيقية فى عام 325 م. و لأن آريوس رفض عقيدة الثالوث، خاصةً أن يسوع هو الله، فقد تمت إدانته كمهرطق. و حتى الآن، فإن الكنيسة مازالت تشهد بما أقره مجمع نيقية.

فادى: و ما الذى تقوله لغير المسيحى المتشكك حول صورة يسوع كما تظهر فى الأناجيل؟

فيربروج: أى شخص متشكك حول ما يقوله العهد الجديد و الكنيسة الأولى عن يسوع، يجب أن يقرأ العهد الجديد و يقرأ عن تاريخ الكنيسة؛ و يجب عليه أيضاً أن يقرأ فى علم الآثار و دراسات أخرى من العالم القديم التى كشفت لنا عن يسوع و العالم الذى عاش فيه. إذا كان شخصاً ما لا يريد أن يؤمن، فأنا لا أستطيع أن أرغمه على الايمان. و لكننى أستطيع أن أصلى حتى يعمل الروح القدس فى قلب هذا الشخص ليدرك حقيقة ما حدث فى اسرائيل منذ ألفى عام!

فادى: أخيراً د. فيربروج، كيف أثر البحث العلمى فى إيمانك و ثقتك فى يسوع المسيح؟

فيربروج: أنا اؤمن أن يسوع هو ابن الله، الشخص الذى أرسله الله للعالم ليكون مخلص العالم. و قد قام يسوع بهذا بالموت على الصليب و القيامة ثانيةً من الموت. و أؤمن أيضاً أن يسوع مات عن خطايا. هذه هى نقطة إنطلاقى فى البحث العلمى. أى باحث قرر قبل قراءة الكتاب المقدس أن يسوع مجرد إنسان جميل و ليس ابن الله لا يستطيع أن يكتشف كل الحقيقة عن يسوع.

و للأسف، فهناك الكثير من الناس الذين يفعلون ذلك. و لكن إذا كنت تريد أن تكون عالماً، أفلا يجب أن تفحص الحقيقة الكاملة حول الله؟ و فى كل دراساتى، لم اقرأ شىء ما جعلنى أفكر بشكل مختلف عن يسوع، بل بالعكس، كل دراساتى أكدت أكثر و أكثر أن أقرب تابعى يسوع إعتبروه مخلص العالم، المسيا، ابن الله المتجسد. الكائن الذى يكون. فى البدء كان الكلمة، و الكلمة كان عند الله، و كان الكلمة الله...

فادى: شكراً لك د. فيربروج على وقتك الذى أعطيته لنا، أذكر خدمتنا فى مصر و الشرق الأوسط فى صلاواتك!

عزيزى القارىء: الرسالة واضحة و بسيطة، كل من يؤمن أن يسوع المسيح قد جاء فى الجسد و صُلِب و مات لأجلنا ليبطل جسد الخطية، و أن الله قد أقامه فى اليوم الثالث من الموت، له حياة أبدية. أصلى أن يفتح الرب عينيك لترى الطريق الذى يسير فيه الدليل، لتعرف الرب يسوع و تقبله مخلصاً شخصياً لحياتك، و ثق أنه قادر أن يغير حياتك تماماً!

فادى اليكساندر
1 – 12 – 2009